لم يعد الوقف في قاموس العمل الإنساني البحريني مجرد "أصلٍ محبوس" أو إحسانٍ ظرفي، بل تحول إلى فلسفة استراتيجية تضع الإنسان في جوهر اهتمامها، بعيداً عن قيود الجغرافيا. وما مبادرة المؤسسة الملكية للأعمال الإنسانية بتوقيع اتفاقية دعم "وقف البحرين للتعليم والأيتام" لمدرسة دار الطفل العربي في القدس، إلا تجسيدٌ حي لهذا النضج المؤسسي. إن هذا العطاء الذي يعبر الحدود ليس مجرد فعلٍ خيري، بل هو رسالة سياسية وإنسانية مفادها أن القدس ليست مجرد شعار، بل هي بوصلة عهدٍ متجدد. إن هذا الامتداد هو مصدر فخر وطني؛ إذ يؤكد أن مملكتنا، بقيادتها الحكيمة، تضرب أروع الأمثلة في كونها ركيزة صلبة للأمن الإنساني، وقوة ناعمة لا تتردد في نصرة القضايا العادلة بكل إخلاص وتجرد.
هنا تأتي الإشارة إلى الإرادة الملكية بدمج الأوقاف تحت مظلةٍ تنظيمية واحدة كضرورةٍ لا ترفٍ إداري. إن هذا التوحيد يقطع الطريق على الاجتهادات المشتتة، وينقلنا من "عشوائية الصرف" إلى "حوكمة العائد"، وإن هذه الحوكمة يجب أن تمتد كنهجٍ مؤسسي واجب النفاذ في كافة الجمعيات الخيرية وقطاعات المسؤولية الاجتماعية (CSR)؛ فهي الصمام الذي يحمي أمانات الواقفين ويوجّه الشركات نحو مشاريع تنموية مستدامة. ولابد أن أبيّن أننا لا ندعو لتقييد المبادرة، بل لمأسستها لتكون شريكاً أصيلاً في نهضة البحرين التنموية.
وهنا يأتي التأكيد أن فلسفة العمل الخيري في منطقتنا العربية بحاجة إلى "ثورة إدارية" تُخرجها من "متلازمة الإغاثة" إلى "فقه الاستدامة". فلا يمكن للمؤسسات أن تظل حبيسة الدور الاستهلاكي، تستقبل التبرعات لتوزعها فوراً؛ فهذا نمط "ريعي" يستنزف الموارد ولا يبني قاعدة استثمارية تولد دخلاً ذاتياً. فالمؤسسة التي لا تبتكر أدوات استثمارية واضحة تظل رهينةً لمواسم العطاء، وإذا انحسر الدعم، توقف أثرها. فالاستدامة الحقيقية تتطلب عقلية "المستثمر الاجتماعي" الذي يبني كيانات تغني المحتاجين عن الحاجة.
همسة
نسمع عن مشاريع تُسوّق على أنها أوقاف، وهو أمرٌ يدعو للفخر حين نرى نماذج مشرقة كـ"وقف عون الخيري" الذي يلتزم بنشر تقاريره وصكوك الوقف بمهنية عالية تأكيداً للشفافية. لكن، نتساءل عن تلك المشاريع التي امتدت لعقود دون أن نرى لها أثراً ملموساً أو جهةً تشرف عليها؛ فهل آن الأوان لوضعها تحت مظلة تشرف عليها وتتابع صرفها حفاظاً على مساهمات المتعاطفين مع هذه المشاريع وصرفها في خدمة المجتمع؟