حين نتحدث عن العمل الخيري في مملكة البحرين، فنحن لا نتحدث عن مجرد مبادرات عابرة، بل عن منهجية رائدة أرسى دعائمها سيدي حضرة صاحب الجلالة ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه منذ توليه مقاليد الحكم، لتكون كفالة الأيتام أولى لبنات المشروع التنموي الشامل الذي وضع الإنسان البحريني في قلب أولوياته، فلقد تحولت «المؤسسة الملكية للأعمال الإنسانية» بفضل هذا المشروع إلى نموذج يُدرّس عالمياً في مأسسة العمل الخيري.
إن المتأمل في مسيرة هذه المؤسسة التي تضيء اليوم شمعة عامها الخامس والعشرين، يدرك بوضوح أن الفلسفة الملكية تجاوزت بمراحل مفهوم «الكفالة» التقليدي، لتصل إلى مفهوم أسمى وأعمق وهو «الكفاية»، فنحن أمام صرح لا يكتفي بتقديم الدعم المادي، بل يضع نصب عينيه التمكين الشامل؛ مادياً ومعنوياً ونفسياً، ليحول اليتيم من متلقٍ للمساعدة إلى عنصر فاعل ومنتج في نسيج هذا الوطن.
هذا التحول النوعي هو نتاج رؤية إنسانية ثاقبة، تجسدت ميدانياً من خلال الجهود الجبارة والمتابعة الحثيثة لسمو الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة، ممثل جلالة الملك للأعمال الإنسانية وشؤون الشباب، الذي جعل من العمل الإنساني نهجاً مؤسسياً يتسم بالشفافية والسرعة، مستلهماً في ذلك الواجب الأبوي والمسؤولية الوطنية تجاه أبناء البحرين. لقد أكد جلالة الملك المعظم دائماً أن «الاهتمام بالأيتام ليس مجرد واجب ديني أو أخلاقي، بل هو أمانة وطنية ومسؤولية إنسانية نعتز بحملها».
إن البركة التي تغمر عمل المؤسسة هي انعكاس طبيعي للإخلاص في تنفيذ هذه الرؤية الملكية التي تضع الإنسان في قلب كل مبادرة، وهي بركةٌ تفيضُ من فضل «كفالة اليتيم» التي حث عليها ديننا الحنيف، ولعلها من أعظم الأسباب التي حفظ الله بها مملكتنا العزيزة وبارك في أمنها ورخائها، فالمؤسسة الملكية اليوم هي ضمير المجتمع البحريني الحي، وشاهدٌ على أن الإرادة الوطنية قادرة على احتواء الجميع، لتظل البحرين البيت الكبير الذي لا يضام فيه أحد.
همسة
مع مرور خمسة وعشرين عاماً على تأسيس المؤسسة، نستذكر بكل فخر واعتزاز كوكبة من الرواد الذين وضعوا اللبنات الأولى حين كانت مجرد «لجنة لكفالة الأيتام»، ولعلي استذكر من باب واجب التلميذ بمعلمه ذكر الوالد أحمد بن جبارة الرميحي -رحمه الله-، القدوة في العمل الخيري والإنساني الذي تشرفتُ بالعمل قريباً منه وتعلّمت الكثير من مدرسته، موجهاً تحية إجلال له ولكل من ساهم في التأسيس، وفي تحويل هذه الرؤية الملكية من فكرة نبيلة إلى واقعٍ مؤسسي نموذجي نفخر به جميعاً.