عبدالله صويلح

- ليست الأزمات هي التي تصنع قوة الشعوب، بل الطريقة التي تواجه بها تلك الأزمات، واليوم وبينما تشهد المنطقة ظروفاً استثنائية وتحديات متسارعة، يقف أبناء البحرين بثبات يعكس معدنهم الأصيل، وإيمانهم العميق بأن الأوطان لا تقاس بما يحيط بها من أخطار، وإنما بما يسكن قلوب أبنائها من يقين وعزيمة، لقد أدرك البحرينيون أن هذه الحرب مهما طال أمدها ستنتهي بإذن الله، وأن الأيام العصيبة ليست سوى محطات تمتحن الصبر وتكشف صدق الانتماء، وتصنع جيلاً أكثر وعياً وصلابة، فما نعيشه اليوم ليس درساً عابراً، بل مدرسة وطنية ستبقى آثارها راسخة في الذاكرة، لأنها تعلمنا كيف يبقى الوطن أكبر من كل ظرف، وكيف تبقى رايته أعلى من كل تحدٍّ.

- ولا يمكن لأمة أن تحافظ على مكانتها إذا لم تكن تقف على أرض راسخة من المبادئ، ولا يمكن لوطن أن يبقى شامخاً إذا لم يكن أبناؤه أساس ذلك الشموخ، فالأرض الصلبة ليست وصفاً لجغرافيا، بل هي تعبير عن منظومة متكاملة من القيم والإخلاص والوحدة الوطنية والثقة المتبادلة بين القيادة والشعب، ومنذ عقود طويلة استطاعت البحرين أن ترسخ هذه المعاني في وجدان أبنائها، حتى أصبح الولاء لهذا الوطن سلوكاً يترجم في المواقف قبل الكلمات، وأصبحت المسؤولية الوطنية ثقافة يتوارثها الأبناء كما يتوارثون حب الأرض، ولهذا بقيت البحرين قوية بأهلها، ثابتة بثوابتها، عصية على كل ما يحاول النيل من أمنها واستقرارها.

- وفي أوقات الأزمات، يبرز الوعي الوطني باعتباره القوة التي تسبق كل الإمكانات، فالوعي هو الذي يحفظ تماسك المجتمع، ويمنع الشائعات من أن تنال من النفوس، ويجعل المواطن شريكاً حقيقياً في حماية وطنه، ولهذا كان أبناء البحرين على قدر المسؤولية ملتفين حول دولتهم، داعمين لكل ما تتخذه من إجراءات تصون أمن المواطنين والمقيمين وتحافظ على استقرار البلاد، إن الاصطفاف الوطني في مثل هذه الظروف ليس خياراً، بل واجب يمليه الضمير، لأن أمن الوطن هو أمن كل بيت، واستقراره هو استقرار كل أسرة، وما يتحقق من طمأنينة اليوم هو ثمرة تعاون الجميع وإدراكهم أن حماية البحرين مسؤولية يشترك فيها الجميع.

- وسيكتب التاريخ أن هذه المرحلة كشفت وجهاً مشرقاً للبطولة البحرينية، بطولة لا تبحث عن التصفيق، بل تكتفي بشرف أداء الواجب، ففي مواقع الشرف يقف رجال قوة دفاع البحرين، والحرس الوطني، ووزارة الداخلية، والأجهزة العسكرية والأمنية، والكوادر الطبية، وجميع العاملين في الميدان، يؤدون رسالتهم بعزم وإخلاص، ويبعثون في نفوس الناس الطمأنينة والثقة، هؤلاء هم الحصن الذي نستمد منه القوة، وهم الصورة الحقيقية للوطن عندما يستدعي الواجب أبناءه، لقد أثبتوا أن التحديات مهما اشتدت تبقى أصغر من إرادة البحريني، وأن الأرض التي يقف عليها أبناء هذا الوطن ليست مجرد أرض، بل حصن منيع شُيد بالإيمان والعمل والتضحية والوفاء.

- وفي مقال سابق حمل عنوان «تألمنا فتعلمنا فتثقفنا»، تحدثت عن أن المحن تصنع الإنسان الواعي، أما اليوم فأجد أن هذه الحقيقة قد تجسدت أمامنا بكل وضوح، لقد علمتنا التجارب أن الثقافة الوطنية ليست كلمات تردد، بل سلوك يترجم في المواقف، وأن العلم والوعي هما السياج الحقيقي الذي يحفظ الأوطان ويصون مكتسباتها، ومن هنا فإن صلابة الأرض التي نقف عليها لم تصنع من الصخور، وإنما صنعتها تضحيات الأجداد، وحكمة الآباء، وإخلاص الرجال، ووعي الأجيال التي حملت الأمانة جيلاً بعد جيل، وستبقى البحرين، بإذن الله، أرضاً صلبة بأبنائها، قوية بقيادتها، شامخة بتاريخها، وماضية بثقة نحو مستقبل يصنعه المخلصون، ويسلمه الآباء للأبناء وطناً عزيزاً آمناً، لا تزيده المحن إلا قوة، ولا تزيد أبناؤه إلا إيماناً بأن البحرين ستبقى دائماً عصية على الانكسار.