بعد أحد عشر كتاباً ألفتهم الكاتبة والشاعرة الأمريكية مايا أنجيلو، وشهرة عالمية حققتها خلال فترة نشاطها، اعترفت بخوف غريب يتملكها كلما شرعت بكتابة عمل جديد، فقد كانت تتخوف من أن يكتشف الناس أنها ليست تلك الإنسانة التي في الصورة التي رسموها لها، وأن النجاح والشهرة التي حققتها ليست دليلاً على موهبتها، كل ذلك ومايا أنجيلو ليست كاتبة في بداية مشوارها الأدبي، بل هي من أبرز أدباء عصرها، لكنها مع ذلك كانت تخشى أن يكتشف الناس المسافة بين ما يرونه فيها وما تشعر به حقيقة في داخلها.

لذا فإن الفشل ليس أكثر ما يخيفنا، لأننا ناجحون في تبريره وتعليقه على شماعة الظروف والتوقيتات غير المناسبة، ما يخيفنا فعلاً أن يرانا غيرنا بلا أقنعة، أن يعرف الناس عنا أننا ضعفاء كأي إنسان، أننا نحتاج إلى غيرنا مثل غيرنا، ذلك هو ما يهدد الرواية التي ننسجها عن أنفسنا، فنحن عندما نظهر أمام الآخرين بمظهر الأقوياء والسعداء، لا نكذب بالضرورة، لكننا ننتقي ما نراه صالحاً للعرض، ومن زوايا مختارة، حتى نكون صورة في أذهان الآخرين عنا، ثم بعد ذلك نخشى أن تتغير هذه الصورة في أذهانهم، فنبدأ بإخفاء مشاعرنا، وعما يؤلمنا نبين أن الأمر لا يعنينا، ثم نبالغ في الاحتفاء بنجاح الآخرين لنخفي الغيرة فينا، ومع تقدم السنين يتحول هذا القناع إلى وسيلة نرتديها أمام أنفسنا بعد أن كانت أمام الآخرين فقط، وفي الواقع المشكلة الأكبر ليست في أننا نختار ما نريد إظهاره أمام الآخرين، فليس من الحكمة أن نكشف للآخرين كل شيء عنا، لأننا سنقضي على الخصوصية، المشكلة الحقيقية تبدأ عندما تصبح حماية الصورة التي نسجناها لنا أمام الناس، أهم من الحياة نفسها، فعلى سبيل المثال عندما يتولد لدينا شعور بأننا لا نستحق التقدير ما لم نكن ناجحين، أو أقوياء، نكون قد دخلنا بالمشكلة بالفعل، لأننا سنتخوف من نظرة الناس لنا إذا ما عرفوا حقيقتنا.

العلاقات الاجتماعية التي لا تدوم إلا بوجود القناع، علاقات غير آمنة من الأساس، والأشخاص الذين لا يعرفون إلا نسختنا اللامعة، قد يعجبون بصورتنا لكنهم لا يعرفون صاحبها، والصدق مع أنفسنا لا يعني أن نبرر مساوئنا، بل يعني أن نعترف بها ونعمل على إصلاحها، فمن يعرف ضعفه يمكنه معالجته، أما من ينكره باستمرار، فسيبقى ضعفه يتحكم في حياته من خلف القناع.

* عميد كلية القانون -

الجامعة الخليجية