حين نتأمل معادلة البناء المجتمعي في مملكة البحرين، ندرك تماماً أن قوة الأوطان لا تقاس فقط بمؤشراتها الاقتصادية أو منجزاتها العمرانية، بل بمدى صلابة وعيها العام ونقاء هويتها، ومن هنا تحديداً تكتسب اللقاءات الفكرية والوطنية الرصينة -مثل اللقاء الذي نظمه معهد البحرين للتنمية السياسية وقدمه سعادة الدكتور علي بن محمد الرميحي حول «الدولة الوطنية في عصر الإعلام الجديد»- قيمتها الاستراتيجية؛ فهي لا تقف عند حدود التنظير العابر، بل تمتد لتكون جسراً آمناً يربط بين الفكر المؤسسي العميق ووجدان جيل الشباب.
بصفتنا معنيين بقطاع الإعلام والاتصال، ولما نملكه من خبرة في العمل الإنساني والمجتمعي لأكثر من عقدين من الزمن، ندرك تماماً أن التحديات الرقمية المعاصرة تفرض علينا أدوات جديدة في التعاطي مع قضايا الأمن الفكري والانتماء، فالوطنية الحقة لا تقتصر بحال على الشعارات الموسمية، بل تتجسد حقيقة في وعي مستنير، واحترام راسخ للقانون، وقدرة فائقة على تفكيك خطاب التضليل والشائعات بموضوعية تامة بعيداً عن التشويش الافتراضي أو الانفعال العاطفي.
من هذا المنطلق، باتت الحاجة ملحة وعاجلة لإحداث تطوير جذري وشامل في البرامج المقدمة للتنمية الفكرية والسياسية، والانتقال الواعي من الأساليب التقليدية إلى مقاربات حديثة ومتجددة تتناسب كلياً مع تفكير واهتمامات الجيل الجديد؛ لنرى بذلك تغييراً حقيقياً وملموساً داخل المؤسسات المعنية، ولنخلق سوراً حصيناً منيعاً قادراً على صد أي اختراق فكري أو استقطاب رقمي مشبوه.
إن صناعة الفكر الوطني وتحصين عقول أبنائنا لا تتحققان خلف الأبواب المغلقة، بل تصنعهما الحوارات المباشرة والشفافة التي تترجم المفاهيم الكبرى إلى سلوكيات حياتية يومية مثمرة.
وحين تمتلك قياداتنا الفكرية القدرة العالية على النزول إلى ميدان الشباب وربط القيم الأصيلة بمجريات الساحة المحلية، فإنها ترسخ حصناً راسخاً من الوعي الصلب الذي يحمي هويتنا الوطنية، ويضمن استمرار مسيرة الخير والعطاء في وطننا المعطاء.
همسة
إن الحاجة إلى سلسلة لقاءات فكرية متجددة تضم شخصيات ذات أثر فكري حقيقي في مختلف المجالات، لتنقل خبراتها ودروسها للأجيال بأسلوب واضح ودون حواجز، باتت تمثل أولوية قصوى وأهمية بالغة لحماية المجتمع وتحصين مستقبله، لتكون بديلة عن البرامج التي لا يتناسب أسلوبها مع الجيل الحالي، والتي تعاد بين الحينة والأخرى منذ سنوات طوال.