قبل أربعة وعشرين قرناً، في مدينة أفسس، كان هناك شاب يدعى هيروستراتوس بلا عمل ولا موهبة، نكرة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لكن في نفسه جوع للشهرة، إلا أنه لم يجد ما يشتهر به، فلجأ إلى ما يلجأ إليه المغمورون الذين تراودهم أحلام البطولة، فوقف أمام صرح عظيم وهو معبد أرتميس، أحد عجائب الدنيا السبع في زمانه؛ تحفة استغرق تشييدها ما يزيد على قرن، وأفنى فيها الملوك والبناؤون أعمارهم، فأشعل فيه النار، وأحاله إلى رماد، ولم يهرب بل وقف إلى جوار حريقه ينتظر التصفيق، فلما سألوه عن دافعه أجاب ببساطة تختصر القصة كلها: «أردت أن أخلد اسمي»، فما كان من أهل المدينة إلا أن أعدموه وقرروا حرمانه من الجائزة، فشرعوا قانوناً يحظر ذكر اسمه إلى الأبد، كتابة وكلاماً، وكان ذلك سيكون أفضل عقاب لولا بعض الناس الذين خذلوا العدالة، وتناقلوا اسمه فيما بينهم حتى وصل إلى مؤرخ خلد اسمه، فقبض التافه الثمن كاملاً.

تذكرت هذه القصة وأنا أرقب كيف تصنع «البطولات» من حولنا، فنحن في زمن لم يعد البطل فيه من يبني أو يفتح أو يصبر على عمل طويل شاق ينفع الناس؛ نحن في زمن الإعلام يشغل حيزاً كبيراً من حياتنا والبطل من يقذف كلمة نابية واحدة، في اللحظة المناسبة، أمام الكاميرا المناسبة، ثم يقف كما وقف حارق المعبد ينتظر التصفيق، لا يهم أن يكون ما قاله صوابا، ولا أن يكون فهم ما قال؛ يكفي أنه أطلق كلمة، وأن كلمته دوت، بل إن كثيرين منهم يرمون كلمات لا يدركون معناها أصلاً؛ يسمع أحدهم عبارة رنانة فتطربه موسيقاها، فيطلقها في وجه خصمه وهو لا يعلم ما تحمل، لكن في الحقيقة التافه وحده لا يصنع من نفسه بطلا، فلا بد من جمهور يصفق، فهيروستراتوس ما كان شيئاً لولا ألسنة رددت اسمه، وأبطال هذه الأيام ما كانوا ليصيروا «أبطالاً» لولا جمهور متعطش يبحث عن أي نصر مهما صغر، وعن أي كلمة تمنحه إحساساً عابراً بالعظمة، هذا الجمهور لا يحتفي بالكلمة؛ يحتفي بنفسه من خلالها، ويفرغ فيها ما في صدره، يلتقط التفاهة فينفخ فيها حتى تصير ملحمة، ثم يظل شهرا، وربما شهرين، يعيدها ويكتب فيها ويلقب صاحبها، على إنجاز لا يتجاوز شتيمة عابرة.

ولو أن في هؤلاء من يقف لحظة أمام المرآة، لرأى أن احتفاءه ذاك ليس دليل قوة، بل دليل فراغ؛ فمن كان عنده ما يفخر به حقا، لا يبحث عن بطولة في كلمة رخيصة قالها سواه، لكنهم لا يتأملون؛ فالجمهور الذي ينحت أصنامه من الرماد، لا يطيق المرايا.