لم يكن حضور حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم القائد الأعلى للقوات المسلحة، حفظه الله ورعاه، على أرض تمرين «درع البحرين» تفصيلاً بروتوكولياً في تقويم المناورات. فحين ينزل القائد الأعلى بنفسه إلى موقع التمرين، تتحوّل المناورة من استعراض قدراتٍ إلى بيانٍ سياسيٍّ مكتمل الأركان.

ولمن أراد أن يقرأ التوقيت، الصواريخ الإيرانية التي طالت مملكة البحرين وأشقّاءها في الخليج العربي لم تكن قد سكتت بعد. أي أنّ البحرين لم تتكلّم هنا بوصفها متضامنةً من بعيد، بل بوصفها أرضاً أُصيبت. ومن هنا جاءت كلمة جلالته بلا مواربة، ما يجري «عدوانٌ» و«تصعيدٌ غير مبرّر»، وما مصدره إلا «السلوك الإيراني». لقد سمّى الخطابُ الأشياءَ بأسمائها، وتلك في ذاتها رسالة، فزمن الغموض الدبلوماسي المطمئِن للخصم قد انقضى.

غير أنّ الأعمق في الكلمة السامية أنها لم تكتفِ بالإدانة، بل وضعت «درع البحرين» في سياقه الصحيح، امتداداً عملياً لمنظومة التكامل الدفاعي الخليجي، وحلقةً في «برامج الردع المشترك». فالدرع هنا ليس بحرينياً وحده، إنه امتدادٌ لـ«درع الجزيرة»، وترجمةٌ لحقيقة أنّ أمن دول المجلس كلٌّ لا يتجزّأ. وهذا هو الردّ الأبلغ على أصواتٍ راحت تتحدّث، والعدوان الإيراني يطول الخليج والأردن دون انقطاع، عن «حيادٍ» مُتوهَّم. لا حيادَ حين تسقط الصواريخ على البيوت، ولا نجاةَ فرديّة في بحرٍ واحد.

وقد لامس جلالته في كلمته وتراً لا يجرؤ كثيرون على مسّه، حين ذكّر طهران بما تناسته من رابطةٍ دينية، وبفضل الرسالة المحمدية على أمةٍ أكسبتها حضارتها عمقاً روحياً بعد عصور. وهي إشارةٌ دقيقة يُساء فهمها عمداً، فالخطاب لا يخاصم شعباً ولا حضارة، بل يخاطب نظاماً أدار ظهره لعهود حسن الجوار، وحوّل الأخوّة الإسلامية إلى شعارٍ يُنقَض بالصواريخ. إنه تفريقٌ ضروريٌّ بين إيرانَ الجارة التي نتمنّى عودتها إلى نصابها، ونظامٍ جعل من تصدير أزماته عقيدةً.

ثمّ إنّ في المشهد رسالةً لا تحتاج إلى ترجمة، «لواء الملك حمد» و«سرب محمد بن زايد» في القوات الإماراتية الشقيقة، وحضور سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع بدولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة، إلى الميدان بنفسه. أسماءٌ متبادَلة بين ضفّتين، تختصر شراكةً عسكرية لم تعد مجاملةً في المناسبات، بل بنيةً راسخة يتقدّم بها محور المنامة - أبوظبي في قلب منظومة المجلس. ومن ورائهم أشقاءٌ من السعودية وعُمان وقطر والكويت، ليؤكّد الجميع أنّ «دماءنا واحدة على كل الجبهات».

ولم تغب المظلّة الأوسع، فحين تحدّث جلالته عن «تنسيقٍ أمنيٍّ ودفاعيٍّ متقدّم مع الأشقاء والأصدقاء والحلفاء»، كان يثبّت موقع البحرين في معادلةٍ استراتيجية لا تُدار بالتمنّي، بل بالتحالفات والقدرات.يبقى أنّ «درع البحرين» ليس درعاً من حديدٍ فحسب. إنه درعُ إرادةٍ ووضوح، إرادةُ ألّا تكون هذه الأرض هدفاً رخواً، ووضوحُ مَن يعرف خصمه ويسمّيه. لقد تكلّم الدرعُ هذه المرة قبل أن يُستعمَل، وكان في كلامه ما يُغني عن كثيرٍ من الرصاص.