سلمان ناصر

ليس أصعب على الدول من أن تتجاور جغرافياً وتتباعد سياسياً، ولا أكثر إيلاماً للأقاليم من أن تجمعها روابط التاريخ والدين والمصالح، بينما تُثقلها حسابات التوتر والصراع. فالجوار وحده لا يصنع الاستقرار، كما أن القرب الجغرافي لا يتحول بالضرورة إلى ثقة متبادلة ما لم تسنده إرادة سياسية تحترم السيادة وتؤمن بالتعايش.

ومن هنا جاءت إحدى أعمق رسائل الخطاب السامي لحضرة صاحب الجلالة الملك حمدبن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم القائد الأعلى للقوات المسلحة، خلال تمرين «درع البحرين». فقد تجاوز الخطاب حدود المناسبة العسكرية ليطرح سؤالاً أوسع يتعلق بجوهر العلاقات بين الدول: هل تكفي الروابط المشتركة لصناعة السلام، أم أن السلام يحتاج إلى سلوك يترجم تلك الروابط إلى واقع؟

لم يكن حضور جلالة الملك المعظم لمتابعة التمرين مجرد مناسبة عسكرية، بل كان مشهداً سياسياً يحمل دلالات استراتيجية. فبين صفوف القوات الخليجية المشاركة، ظهرت صورة منظومة تؤكد أن أمن المنطقة لا يقوم على ردود الأفعال، بل على وحدة الصف، وتكامل القدرات، والاستعداد لحماية المكتسبات التي تحققت عبر عقود من البناء والتنمية.

وقد حمل الخطاب السامي رسالة واضحة بأن أمن الخليج العربي ليس ملفاً منفصلاً لكل دولة، بل مسؤولية جماعية ترتبط بالمصير المشترك. فمجلس التعاون الخليجي لم يكن مجرد إطار للتنسيق، بل أصبح مع مرور الزمن نموذجاً للتعاون الذي تدعمه وحدة التاريخ والجغرافيا والإرادة السياسية.

كما أكد الخطاب أن «درع البحرين» يتجاوز كونه تمريناً عسكرياً إلى كونه رسالة ردع مسؤولة. فالدول لا تحمي السلام بمجرد الدعوة إليه، بل بامتلاك القدرة التي تمنع تهديده. والقوة في مفهوم الدولة الرشيدة ليست طريقاً إلى الصراع، بل ضمانة للاستقرار وحماية للأمن والسيادة.

أما الرسالة الأكثر عمقاً، فجاءت في حديث جلالة الملك المعظم عن إيران، حيث لم يتناول الأمر من زاوية الخلاف السياسي فقط، بل من منظور أوسع يرتبط بالقيم والتاريخ. فالإشارة إلى الرابطة الدينية وفضل الرسالة المحمدية على الأمة الفارسية حملت تأكيداً بأن ما يجمع الشعوب أكبر من أن يُختزل في الخلافات، وأن حسن الجوار لا يكون بمجرد التقارب الجغرافي، بل باحترام العهود، وعدم التدخل، والابتعاد عن سياسات التصعيد وتوسيع النزاعات.

وهنا تظهر قوة الخطاب السامي؛ فقد جمع بين الحزم والحكمة، وبين الدعوة إلى التفاهم والتمسك بثوابت الأمن. فهو لا يغلق أبواب الحوار، لكنه يوضح أن الحوار الحقيقي يحتاج إلى بيئة من الاحترام والثقة، وأن الأخوة لا تكتمل بالشعارات، بل بالمواقف.

حجر الزاويةإن حجر الزاوية في الخطاب السامي هو أنه أعاد تعريف معنى الأمن والاستقرار؛ فالأمن ليس مجرد غياب التهديد، بل وجود قدرة وإرادة تحمي السلام. والجوار ليس مجرد حدود مشتركة، بل مسؤولية مشتركة.

ولهذا فإن الرسالة الأعمق التي حملها «درع البحرين» أن الخليج العربي لا يبحث عن صراع، لكنه لا يقبل أن يكون أمنه رهينة لأي حسابات خارجية. فالدول الواثقة تمد جسور السلام، لكنها في الوقت ذاته تبني من القوة ما يحمي تلك الجسور.

ومن هنا يصبح الخطاب السامي أكثر من كلمة في مناسبة عسكرية؛ إنه رؤية سياسية تؤكد أن الاستقرار لا يُمنح، بل يُصنع، وأن الجوار الحقيقي لا يُقاس بقرب المسافات، بل بصدق النوايا واحترام السيادة ووحدة المصير.