لم تكن المدرسةُ في سبعينيات وثمانينيات العمر مجرد فصولٍ نأتي إليها لنحفظ الحروف ونردد الجداول، بل كانت بيتاً ثانياً، يتسلل إلينا كل صباحٍ ليعلّمنا كيف نكون بشراً صالحين قبل أن نكون طلاباً متفوقين.
كان لكل صفٍّ جدولٌ صغيرٌ يبدأ مع بداية العام الدراسي، لكنه لم يكن جدولاً للواجبات أو الاختبارات، بل كان جدولاً للمسؤولية. ففي كل أسبوع، تُكلَّف مجموعةٌ من التلميذات بتنظيف الصف؛ تمسح زجاج النوافذ بقطع القماش القطنية حتى يعود شفافاً تستقبل منه الشمس، وتمسح الطاولات والكراسي بعناية، وترتب المكان كما لو أنها ترتب غرفة بيتها. لم يكن أحدٌ يشعر أن ذلك عقوبة، بل كان شرفاً صغيراً يجعلنا نشعر أن الصف جزءٌ منا، وأن نظافته مسؤوليتنا جميعاً. وهكذا تعلمنا، من دون محاضراتٍ طويلة، أن الإنسان يترك أثره الجميل في المكان الذي يجلس فيه.
وقبل حلول العيد بأيام، كانت المدرسة تدخل في موسمٍ آخر من الفرح. نخرج الأشرطة اللامعة بألوانها الزاهية؛ الذهبية والفضية والحمراء والخضراء، فنعلقها على الجدران والنوافذ والسبورات، فيتحول الصف إلى لوحةٍ تحتفل بالعيد قبل أن يطل هلاله. كانت الزينة البسيطة تملك قدرةً عجيبة على تغيير المكان، حتى إن الصف نفسه يبدو وكأنه يرتدي ثوباً جديداً، مختلفاً عن كل الأيام العادية.
أما اليوم الوطني، فكان موعداً آخر يفيض حبًا للوطن. كانت المدرسة تتزين بألوان البحرين، وتمتلئ ساحتها بالأهازيج والأناشيد الوطنية. وفي الحوش تُقام الفقرات التي ما زالت تعيش في الذاكرة حتى اليوم؛ عروض الأزياء الشعبية، حيث ترتدي الصغيرات ثوب النشل المطرز بخيوطه الذهبية، والدراعة بألوانها الزاهية، وقطع الذهب البحريني النادر في تنفيذه وفي نقائه، القطع الكبيرة منها والصغيرة، مثل (المرتعشة) و(الشميلات) و(حب الهيل) وحلق ( صباح الخير) وغيرها الكثير التي تروي تراثنا الشعبي العريق واللؤلؤ الذي اشتهر به أهل الخليج، وغيرها من الأزياء التي كانت تحكي هوية البحرين، في مدنها وقراها، وكأن الوطن كله يسير على أقدام الأطفال. وتتعالى الأغاني الوطنية، وتختلط التصفيقات بضحكات الصغيرات، فيصبح ذلك اليوم عيداً آخر للوطن.
وكان أجمل ما في تلك الاحتفالات أن المدرسة مفتوحة لكل الأمهات، بل لكل امرأة تريد أن ترى الحفلة. لم تكن هناك بطاقات دعوة، ولا تسجيل مسبق، ولا إجراءات معقدة. كانت كل أم تستطيع أن تدخل، فتجلس بين الحاضرات، وتشاهد ابنتها وهي تنشد أو تمثل أو تمشي بثوبها الشعبي الصغير.
وما زلت أذكر تلك الفرحة التي كانت تملأ قلبي عندما أرى والدتي بين أمهات زميلاتي؛ كنت أبحث عنها بعيني بين الوجوه، فإذا التقت نظراتنا شعرت أن وجودها وحده كان يكفيني لأشعر بالفخر والسعادة.
ولعل أكثر ما يحن إليه القلب اليوم هو تلك البراءة التي كانت تسكن الصفوف الثلاثة الأولى من المرحلة الابتدائية، مريلةٌ رمادية ذات ياقةٍ خضراء، وشريطان أخضران أو أبيضان يزينان الضفيرتين، وحقائب صغيرة تحمل أحلاماً أكبر منها بكثير. كانت الطفلة تغادر بيتها كل صباح لتدخل عالماً جديداً؛ ترى وجوهاً لم تعرفها من قبل، وتكوّن صداقاتٍ خارج حدود الأسرة، وتتعلم كيف تشارك، وكيف تعتذر، وكيف تنتظر دورها، وكيف تحب الآخرين.
لم تكن المدرسة مكاناً لتلقين الدروس فحسب، بل كانت مصنعاً صغيراً للقيم، تزرع فينا النظام، والنظافة، والانتماء، والتعاون، واحترام الوطن، وحب الناس، وكل ذلك ببساطةٍ وعفوية، حتى غدت تلك الأيام، بعد مرور العقود، أجمل مناهج الحياة، وأبقى من كثيرٍ مما حفظناه في الكتب.
وحين نستعيد تلك الذكريات اليوم، لا نفعل ذلك لأن الزمن القديم كان كاملاً، بل لأن فيه أشياءً صغيرةً صنعت فينا الإنسان الذي ما زال يعيش بين ضلوعنا. فما نتذكره ليس لون المريلة وحده، ولا زينة العيد، ولا ثوب النشل، بل نتذكر زمناً كانت فيه المدرسة تفتح أبوابها للقلب قبل أن تفتحها للعلم، وكانت تُخرِّج أبناءً يحملون الشهادة في أيديهم، والقيم في أرواحهم.
لستُ أكتب هذه الذكريات لأقارن بين تعليم الأمس وتعليم اليوم، أو لأقول إن الماضي كان أجمل في كل شيء؛ فلكل زمنٍ ميزاته، وقد حظيت مدارس اليوم بتطورٍ كبير في المناهج، ووسائل التعليم، والتقنيات، والفرص التي لم تكن متاحة لنا آنذاك. وهذا تطورٌ يستحق التقدير والاعتزاز.
لكن للطفولة منطقًا آخر؛ فهي لا تحفظ في ذاكرتها عدد الكتب، ولا حداثة الفصول، بل تحفظ الوجوه التي أحبتها، والأماكن التي ضحكت فيها، والأيام التي شعرت فيها بالأمان.
ولذلك نظل نشتاق إلى مدارس الأمس، لا لأنها كانت أفضل بالضرورة، بل لأنها كانت تحتضن أجمل سنوات أعمارنا. فما نشتاق إليه في الحقيقة ليس المبنى، ولا المريلة الرمادية، ولا الشريط الأخضر، بل تلك الطفلة التي كناها يوماً، والتي كانت ترى العالم بعينين مملوءتين بالدهشة، وقلبٍ لم يعرف بعد سوى البراءة.