في دفاتر هواتفنا أسماء نمر عليها كما نمر على شواهد القبور، نعرف أصحابها جيداً، نحفظ ضحكاتهم وطريقة كلامهم ومقاعدهم المفضلة في المقاهي التي جمعتنا، لكننا لم نعد نجرؤ على الاتصال بهم، لم يحدث خلاف، ولم تقل كلمة جارحة، ولم يغلق أحدنا باباً في وجه الآخر، كل ما حدث أن رسالة تأخر ردها يوماً، ثم أسبوعاً، ثم صارت بلا رد، وأن عبارة «لازم نتلاقى قريباً» تكررت حتى فقدت معناها، وصارت تقال كتحية الصباح:، بلا نية وبلا أمل، هكذا، بهدوء لص محترف يعرف أين ينام أهل البيت، تسلل الغياب إلى علاقات ظنناها أعمدة لا تسقط، فإذا بها تذوب كما يذوب الملح في الماء، بلا صوت وبلا أثر ظاهر، لكن الطعم كله يتغير.
الغريب في هذه النهايات أنها لا تمنحنا حق الحزن الكامل، حين تنتهي علاقة بخصام نعرف أين نضع ألمنا، هناك جرح واضح، وقصة نرويها، وطرف نلومه ولو كان أنفسنا، أما الابتعاد الصامت، فيتركنا معلقين في منطقة رمادية؛ لا نحن أصدقاء فنطمئن، ولا نحن أعداء فنرتاح من عبء السؤال، نفتح صفحاتهم في ساعات الليل المتأخرة كمن يزور بيتا قديما هجره، نعرف أنهم تزوجوا أو سافروا أو رزقوا طفلاً، نضغط زر الإعجاب بخجل كأننا نلوح لهم من رصيف بعيد، ثم نعود إلى صمتنا، نعرف عنهم كل شيء، ولا نعرف كيف نقول لهم «مرحباً». والحقيقة المرة أن أحداً لم يقرر هذا الفراق؛ الحياة وحدها قررته حين شغلتنا بوظائف تلتهم النهار وبيوت تلتهم المساء، حتى اكتشفنا متأخرين أن كل علاقة، مهما بلغت متانتها، كائن حي يحتاج إلى ماء الكلام وضوء اللقاء، وأن الإهمال يقتل ببطء ما عجزت الخلافات عن قتله بسرعة، ومع الوقت يتضخم حاجز اسمه «مر وقت طويل»، ماذا سأقول له؟ كيف أبرر صمتي؟ وننسى أن الطرف الآخر يقف خلف الحاجز نفسه، يردد الأسئلة نفسها، ويؤجل الخطوة نفسها.
ربما لا تحتاج هذه العلاقات إلى نعي ولا محاكمة، لكنها تستحق لحظة اعتراف، أن نتوقف أمام تلك الأسماء الصامتة، ونسأل أنفسنا بشجاعة، أيها ما زال قابلاً للحياة؟ فالغائبون ليسوا سواء؛ بعضهم ينتظر رسالة واحدة تكسر الجليد، لا تحتاج بلاغة ولا اعتذارات طويلة، تكفي جملة صادقة، «تذكرتك اليوم، فاشتقت»، وسنفاجأ بأن الرد يأتي أسرع مما توقعنا وأدفأ مما تخيلنا، وبعضهم مضى فعلا، وخير لنا أن نودعه في قلوبنا بامتنان لا بمرارة، شكراً لأنك كنت جميلاً يوم كنت، فبعض الناس يمرون في حياتنا كفصول السنة؛ لهم وقتهم ودورهم ثم يرحلون، ولا ضير في ذلك ولا خيانة، أما أقسى ما نفعله بأنفسنا وبهم فهو أن نتركهم في ذلك البرزخ الرمادي، معلقين بين «ربما أراسله» و»فات الأوان»، إن أنبل ما في الإنسان أنه قادر على المبادرة، ويد الوصل حين تمد بصدق لا تعود صفرا في الغالب، فلنمدها اليوم لا غداً، لأن «غداً» هي الكلمة نفسها التي أوصلتنا إلى هذا الغياب الطويل.