حين كشف المجلس الأعلى للمرأة عن الهوية البصرية للاحتفاء بيوم المرأة البحرينية لعام 2026، لم يكن الإعلان مجرد تدشين لشعار رسمي، بل كان إشارة البدء لاستحضار محطة تاريخية فارقة في مسيرة الدولة الحديثة. فشعار اليوبيل الفضي- الذي يتوسطه الرقم (25) محاطاً بإكليل الاحتفاء وتحت عنوان «خمسة وعشرون عاماً في قلب المشروع الإصلاحي» - يختزل تجربة مؤسسية فريدة جعلت من قضايا المرأة ركناً أصيلاً في رؤية حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم، وبقيادة حكيمة من صاحبة السمو الملكي الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة قرينة جلالة الملك المعظم رئيسة المجلس الأعلى للمرأة.

وهنا أستذكرُ ما نُقِلَ لي حينها من الأخوات ممّن شهدن ذلك اللقاء الكريم في عام 2002؛ فخلال زيارة صاحبة السمو الملكي الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة لنساء الرفاع، طرحت الفاضلة (أم محمد) سؤالاً بأسلوب المتابع الشغوف: «هل سيكون هناك كوتا مخصصة للنساء في المجالس البلدية ومجلس النواب كما هو معمول به في بعض الديمقراطيات؟». وجاء رد صاحبة السمو الملكي حاسماً، عميقاً، ومستشرفاً للآتي: «إن وصول المرأة البحرينية سيكون بقناعة المجتمع، وبصنع التمكين الذي تؤهلها للوصول بكفاءتها واقتدارها». واليوم، ونحن نطالع ثمار ربع قرن، تتجلى حكمة ذلك التوجيه؛ فقد وصلت المرأة إلى القبة البرلمانية والمجالس البلدية ورئاستها بصوت المواطن الإيجابي وقناعة الشارع البحريني، دون حاجة لنظام الحصص المسبقة.

إن التأمل في الشعار الثابت «قرأت.. تعلمت.. شاركت»، والذي يزداد عمقاً هذا العام بتزامنه مع هوية «عام عيسى الكبير»، يعيدنا إلى الجذر التاريخي لبناء هذا الوطن. فالمشاركة التي تشهدها المرأة البحرينية اليوم في الميادين التشريعية والاقتصادية والاجتماعية لم تأتِ كطفرة طارئة، بل تمثل امتداداً طبيعياً لمسيرة تنويرية وإرث وطني متراكم؛ تعلمت فيه المرأة وقرأت، ثم عبرت بثقة لتكون شريكاً كاملاً في إدارات الدولة ومؤسساتها.

وعلى مدى خمسة وعشرين عاماً من العمل المؤسسي الرصين، نجح المجلس الأعلى للمرأة بالشراكة والتكامل الوثيق مع الحكومة الموقرة برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حفظه الله في إحداث نقلة نوعية في مفهوم «التمكين». حيث تجسدت هذه الشراكة الوطنية في إدماج خطط تقدم المرأة ضمن برنامج الحكومة، وتأسيس «لجان تكافؤ الفرص» في كافة أجهزة الدولة، وتطبيق الموازنات المستجيبة لاحتياجات المرأة، وهنا تترجم الأرقام الوطنية اليوم هذا النجاح المؤسسي بوضوح؛ إذ تشكل المرأة البحرينية أكثر من نصف القوى العاملة الوطنية في القطاع الحكومي، ونسبة تتجاوز 43% في القطاع الخاص، إلى جانب حضورها اللافت في المناصب القيادية والتنفيذية.

وتتوج هذه المسيرة اليوم بإطلاق الخطة الوطنية لنهوض المرأة البحرينية (2025 - 2026) تحت شعارها الموجه: «المرأة البحرينية من التمكين والتقدم إلى السعي نحو الريادة»، لتشكل خارطة طريق متكاملة تنطلق من أربعة مجالات استراتيجية أولوية؛ تشمل تعزيز استقرار الأسرة بالارتقاء بالخدمات الاجتماعية والتشريعية الميدانية، وترسيخ حضور المرأة في صنع واتخاذ القرار بمختلف القيادات ومجالس الإدارة والسلك الدبلوماسي، وتحفيز مشاركتها الاقتصادية في القطاعات الواعدة واستدامة الحاضنات الاستثمارية كمركز «ريادات»، إلى جانب الارتقاء بجودة الحياة عبر بيئات عمل مرنة وصحية بيئية ورعائية، وتتكامل هذه المجالات الأربعة عبر خمسة محاور تنفيذية تلتزم بها مؤسسات الدولة كافة؛ تشمل تطوير السياسات والتشريعات، وتخصيص الموازنات المستجيبة لعدالة الجنسين، والتوعية والتدريب، والتدقيق والرقابة المؤسسية، وصولاً إلى المتابعة والتقييم المستمر بالربط مع أهداف التنمية المستدامة (SDGs).

ولعل الأثر الأكثر عمقاً واستدامة لهذه المسيرة تجسد في تعزيز مكانة المرأة داخل أسرتها ودعم الاستقرار الأسري باعتباره السياج الواقي للأمن المجتمعي. فقد انطلق المجلس من رؤية شمولية تؤمن بأن تمكين المرأة يبدأ من حماية كيانها الأسري وضمان كرامتها؛ فترجم هذه الرؤية إلى منظومة متكاملة تجمع بين الحماية التشريعية والحلول الناجزة. بدءاً من إقرار قانون الأسرة الذي أرسى أطراً قانونية عادلة للحقوق والواجبات، وتفعيل قانون الحماية من العنف الأسري وصندوق النفقة، وصولاً إلى تطوير البنية القضائية عبر مكاتب التوفيق الأسري للتسوية الودية للنزاعات وتجنيب الأطفال معضلات الخلافات الزوجية.

ولم تتوقف هذه الجهود عند ذلك، بل امتدت ميدانياً عبر التوسع في افتتاح مكاتب دعم المرأة بالمراكز الاجتماعية الشاملة التابعة لوزارة التنمية الاجتماعية بكافة المحافظات لتقديم الإرشاد النفسي والقانوني والأسري المباشر، متكاملةً مع القرارات الإسكانية النوعية بالشراكة مع وزارة الإسكان لتوفير السكن الملائم للمرأة المعيلة والمطلقة والأرملة، مما رسّخ بيئة أسرية آمنة ومستقرة تُخرج أجيالاً واعية قادرة على العطاء الوطني.

ولم يقتصر هذا البناء على المحيط المحلي، بل تحول «النموذج الوطني للتوازن بين الجنسين» إلى بيت خبرة إقليمي ودولي، تُوج بإطلاق «جائزة الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة العالمية لتمكين المرأة» بالشراكة مع هيئة الأمم المتحدة للمرأة، لتنقل البحرين تجربتها الرائدة إلى الساحة الدولية كمرجع في إدماج احتياجات المرأة في التنمية.

كما امتد هذا البناء برؤية استشرافية ليركز على فئة الشباب والجيل الصاعد من الشابات. فمن خلال الشراكة مع القطاعين العام والخاص ومؤسسات المجتمع المدني، يولي المجلس الأعلى للمرأة اهتماماً خاصاً باستثمار طاقات الشباب وصقل مهاراتهم، وفتح الآفاق أمامهم لارتياد قطاعات المستقبل كالتكنولوجيا، الذكاء الاصطناعي، والعلوم المتقدمة. إن احتفاء مملكة البحرين بمرور ربع قرن على تأسيس المجلس الأعلى للمرأة ليس مجرد جردة حساب لما تحقق، بل هو محطة انطلاق شجاعة نحو المستقبل؛ تتكامل فيها مخرجات الخطة الوطنية لتقدم المرأة (2025 - 2026) مع مستهدفات رؤية البحرين الاقتصادية 2030، لتواصل المرأة البحرينية والشاب البحريني حضورهما المشرّف، صانعين للأثر، وركيزة أساسية في بناء مجتمع البحرين المتكافئ والمزدهر.

همسة

يقع الدور اليوم على عاتق المرأة ذاتها لتمكين نفسها عبر السعي المستمر للتطوير الذاتي، والتسلح بالعلم والمعرفة، وبناء أسرة متماسكة تحمل هوية الوطن وقيمه الأصيلة، فالدعم المؤسسي الممتد الذي وفرته الدولة بجميع مؤسساتها - وعلى رأسها المجلس الأعلى للمرأة والحكومة الموقرة - يضع بين يدي البحرينية بيئة تمكينية متكاملة، ويبقى الرهان الأكبر على وعي المرأة واستثمارها لهذه المكتسبات لتكون صانعة لمستقبلها ومساهمة في رفعة مجتمعها.