عبدالله صويلح

- ليس كل ما يُسمّى إنصافاً يكون عادلاً، فهناك مواقف قد تبدو في ظاهرها متوازنة، بينما تحمل في داخلها قدراً من الإجحاف لا يراه إلا من وقع عليه. فالإنصاف الحقيقي لا يقوم على توزيع المواقف بالتساوي فحسب، وإنما يقوم على فهم الظروف، والاستماع إلى جميع الأطراف، والنظر إلى التفاصيل التي قد تغيّر الحكم من طرف إلى آخر. وقد يكون من السهل أن نصدر حكماً سريعاً باسم العدالة، لكن الأصعب أن نبحث عن الحقيقة قبل أن نحكم.

- أحياناً نضع الجميع في ميزان واحد، وننسى أن لكل إنسان ظروفاً مختلفة، وقدرات متفاوتة، ومسؤوليات لا يعلمها الآخرون. فالمساواة في بعض المواقف قد لا تكون إنصافاً، لأن إعطاء الشيء نفسه للجميع لا يعني بالضرورة تحقيق العدالة بينهم. فالعدل يحتاج إلى بصيرة، والإنصاف يحتاج إلى فهم، والحكم الصحيح يحتاج إلى الاستماع قبل إصدار القرار. ومن هنا تبدأ مشكلة الإنصاف غير المنصف، عندما تتحول الرغبة في تحقيق العدالة إلى صورة أخرى من صور الظلم.

- وقد يكون الإنصاف غير المنصف أكثر ألماً من الظلم الواضح، لأن الإنسان يتوقع من الإنصاف أن يعيد له حقه، فإذا به يشعر أن حقه ضاع تحت عنوان العدالة. يحدث ذلك عندما يتم الاستماع إلى نصف الحقيقة، أو عندما تُقارن المواقف دون معرفة أسبابها، أو عندما يُحاسب شخص على نتيجة لم يكن وحده سبباً فيها. وفي مثل هذه الحالات يصبح الحكم متسرعاً، وتصبح العدالة مجرد مظهر لا يعكس الحقيقة الكاملة.

- الإنصاف الحقيقي لا يعني أن نرضي الجميع، ولا أن نقف دائماً في منتصف الطريق بين طرفين، وإنما يعني أن نقف مع الحق حيثما كان. وقد يكون العدل أحياناً في إعطاء أحد الأطراف أكثر من الآخر، إذا كانت حاجته أو ظروفه أو استحقاقه تفرض ذلك. لذلك فإن صاحب القرار الحكيم لا يبحث عن حكم يبدو عادلاً أمام الناس فقط، بل يبحث عن حكم يستطيع أن يطمئن إليه ضميره بعد أن يعرف الحقيقة كاملة. فالإنصاف مسؤولية، وليس مجرد موقف.

- وفي حياتنا اليومية، نحتاج إلى أن نراجع مفهومنا للعدالة، وأن نتعلم ألا نحكم على الناس من مشهد واحد، أو موقف عابر، أو رواية من طرف واحد. فقد نكون منصفين في كلماتنا، لكننا غير منصفين في أحكامنا، وقد نعتقد أننا نحقق العدالة بينما نحن في الحقيقة نزيد من شعور إنسان بالظلم. لذلك يبقى الإنصاف الحقيقي هو الذي يجمع بين العقل والحكمة والرحمة، ويبحث عن الحقيقة قبل الحكم، ويمنح كل إنسان حقه دون زيادة أو نقصان. فليس كل إنصاف عادلاً، ما لم يكن مبنياً على فهم كامل للحقيقة.