قبل أن تعرف البشرية الشاشات، وقبل أن تتحرك الصور أمامنا بضغطة إصبع، كان هناك فنّ بسيط استطاع أن يصنع عالَماً كاملاً من ثلاثة أشياء فقط: ضوء، وستارة، وظل.
كان يُسمّى خيال الظل؛ ذلك الفن الذي تتحرك فيه أشكال مصنوعة من الجلد أو الورق خلف ستارة مضاءة، فلا يرى المتفرج الأجسام نفسها، بل ظلالها وهي تتكلم وتتحرك وتحكي القصص. وتشير المصادر إلى أن جذوره القديمة جاءت من الشرق، ولا سيما الصين أو الهند، ثم انتقل إلى العالم العربي، واستقر مصطلحه بشكله المعروف منذ نحو القرن الحادي عشر الميلادي. وفي مصر نجد إشارات واضحة إلى عروضه في القرن الثاني عشر، قبل أن يزدهر أدبياً مع ابن دانيال في القرن الثالث عشر.
كان الإنسان يومها يقف أمام ستارة وينظر إلى الظلال، ومع ذلك كان خياله يرى أكثر مما تراه العين.
غابت الوجوه، فحضرت الحكاية.
واختفت التفاصيل، فبدأ الخيال يكملها.
ومرت القرون، وجاءت الكاميرا، ثم السينما، ثم الصورة الملونة، ثم الهواتف الذكية، حتى وصلنا إلى زمن نستطيع فيه أن نرى أدق تفاصيل الوجه، ونعدّل الضوء واللون، ونحذف ما لا يعجبنا، ونضيف ما لم يكن موجوداً أصلاً.
وكان من المفترض، وفق منطق التطور، أن يصبح الظل شيئاً من الماضي.
لكن المدهش أن الظل عاد.
نراه اليوم في صور الأم الحامل، تقف أمام الضوء، فيظهر انحناء جسدها، وظل جنينها المنتظر في لقطة تختصر شهوراً من المشاعر.
ونراه في صور الأب والأم، وهما يصنعان بأيديهما أو بجسديهما مشهداً ظلياً صغيراً يحكي انتظار طفل.
ثم انتقلت الفكرة إلى تصوير الخطوبة والزواج؛ عروسان لا تظهر ملامحهما كاملة، وإنما يتقابل ظلاهما على جدار، أو تمتد يدان في الضوء، أو يظهر فستان العروس وعريسها كأنهما شخصيتان خرجتا لتوّهما من مسرح خيال ظل قديم.
وكأن الكاميرا التي أمضت أكثر من قرن تبحث عن مزيد من الوضوح، اكتشفت فجأةً أن بعض الجمال يسكن فيما لا نراه كاملاً.
وهنا تصبح المسألة أكبر من مجرد «موضة تصوير».
فلماذا يعود الإنسان إلى فكرة تجاوز عمرها قروناً، في زمن أصبحت فيه تقنيات الصورة قادرة على صنع ما يكاد يكون مستحيلاً؟
ربما لأننا تعبنا قليلًا من الكمال.
صور شديدة الوضوح، وألوان شديدة الإتقان، ووجوه مصقولة، ومؤثرات لا تنتهي... حتى أصبح النقص نفسه شيئًا نفتقده.
أما الظل فلا يخبرنا بكل شيء.
يترك مساحة صغيرة للخيال.
ولا يقول لنا مَن أجمل، وما لون الثوب، وكيف كانت الملامح؛ بل يقول ببساطة: هناك إنسانان، وهناك حكاية.
ولهذا أتساءل: هل ما يحدث اليوم بداية لظاهرة أكبر؟
هل ستعود الأشياء القديمة واحدةً بعد أخرى، لا لأن العالم عجز عن ابتكار الجديد، بل لأن الإنسان بدأ يملّ من كثرة الجديد؟
ربما تعود الرسائل المكتوبة باليد بعدما أغرقتنا الرسائل الفورية.
وربما تعود الصور الورقية إلى الألبومات بعدما أصبح لدينا آلاف الصور التي لا نعود إليها.
وقد يعود الدفتر الصغير أمام التطبيقات التي تسجل كل شيء.
وتعود الجلسات البسيطة أمام المناسبات شديدة التكلف.
وتعود الألعاب اليدوية أمام الألعاب التي تبني لنا عوالم رقمية كاملة.
بل ربما نكتشف بعد كل هذا التطور أن الإنسان لا يتحرك دائمًا في خط مستقيم من القديم إلى الحديث؛ أحيانًا يدور في دائرة، يصل إلى أبعد نقطة في التطور، ثم يلتفت فجأة إلى الوراء، ويأخذ معه شيئاً تركه في أول الطريق.
ليس رفضاً للتقدم، وإنما بحثاً عن إحساس ضاع أثناء السير.
وهنا تكمن المفارقة الجميلة:
لقد أمضينا قروناً نحاول أن نجعل الصورة أكثر وضوحاً...
ثم اكتشفنا أن صورةً بلا ملامح قد تكون أكثر شاعرية.
وأمضينا أعواماً نبحث عن أحدث تقنيات التصوير...
ثم عدنا إلى فكرة لا تحتاج سوى ضوء وجدار وظل.
فهل نحن أمام عودة «خيال الظل» وحده؟
أم أننا ندخل زمناً جديداً ستكون فيه البدايات القديمة هي الموضة الجديدة؟
لعل المستقبل، على خلاف ما نظن، لن يكون كله اختراعات لم نرها من قبل؛ فقد يكون بعضه أفكاراً عرفها أجدادنا، تركناها طويلاً خلفنا، ثم عدنا إليها بعدما اكتشفنا أن الطريق إلى الجديد لا يمضي دائماً إلى الأمام...
فأحياناً، تكون أجمل خطوة نحو المستقبل هي أن نلتقط من الماضي أولى خطواته، ونمنحها روحاً جديدة.
فإذا كان الظل قد عاد بعد كل هذا الضوء، فما الأشياء الأخرى التي ستعود حين نتعب من وفرتها؟