عبدالله صويلح

ليس الذكاء دائماً مرتبطاً بالمعرفة أو سرعة الإجابة أو القدرة على حل المشكلات، فهناك نوع آخر من الذكاء يظهر في تفاصيل صغيرة قد لا يلتفت إليها الكثيرون. إنه ذلك الشعور الذي يجعل الإنسان يتوقف لحظة قبل أن يتحدث، ويفكر في أثر كلماته قبل أن ينطق بها، ويدرك أن لكل شخص ظروفه وتجربته الخاصة التي لا يعرفها الآخرون. ومن هنا تبدأ قيمة الذكاء الإنساني، فهو القدرة على فهم الإنسان قبل الحكم عليه، واستيعاب اختلافه قبل مواجهته، والتعامل مع المواقف بوعي يتجاوز حدود الكلمات المباشرة.

قد يملك الإنسان قدرة كبيرة على الحديث، لكنه لا يملك القدرة نفسها على فهم الآخرين، وقد يكون سريع الرد، لكنه لا يدرك أن بعض الردود تترك أثراً لا يمكن إصلاحه بسهولة. فالإنسان الواعي لا يقيس نجاح حديثه بقدر ما قال، وإنما بقدر ما وصل منه إلى الطرف الآخر دون أن يترك في نفسه ألماً أو إساءة. وفي كثير من المواقف، لا تكون المشكلة في الحقيقة التي نريد إيصالها، وإنما في الطريقة التي نختارها للتعبير عنها. ولذلك فإن التروي، واختيار التوقيت، وفهم طبيعة الشخص المقابل، كلها أمور تجعل التواصل أكثر نضجاً وأقرب إلى الحكمة.

والحياة بطبيعتها تضعنا أمام شخصيات مختلفة؛ منهم من يتقبل النقاش، ومنهم من يحتاج إلى مساحة من الهدوء، ومنهم من يخفي خلف ابتسامته الكثير من التعب. لذلك لا يمكن أن نتعامل مع الجميع بالأسلوب نفسه، لأن ما يراه شخص عادياً قد يكون ثقيلاً على شخص آخر. وهنا تتجلى أهمية الذكاء الإنساني في قدرتنا على تغيير أسلوبنا، دون أن نغير مبادئنا، وأن نحافظ على صدقنا، دون أن نحول الصراحة إلى قسوة. فالنضج الحقيقي ليس أن نقول كل ما نفكر فيه، بل أن نعرف ما الذي يستحق أن يقال، ومتى يقال، وكيف يقال.

وفي مجتمعنا، نحتاج إلى هذا النوع من الوعي في الكثير من تفاصيل حياتنا، فهناك مواقف يكون فيها الإنسان بحاجة إلى من يفهمه أكثر من حاجته إلى من يقدم له النصائح. وهناك أوقات لا يحتاج فيها الحزين إلى تفسير لما حدث، ولا يحتاج المنكسر إلى تذكيره بسبب انكساره، وإنما يحتاج إلى كلمة تخفف عنه، وتشعره بأن هناك من يشاركه ثقله. وقد تكون بعض الكلمات بسيطة في ظاهرها، لكنها بالنسبة لشخص يمر بظرف صعب تعني الكثير. لذلك فإن مراعاة مشاعر الناس ليست ضعفاً في الشخصية، وإنما دليل على قوة داخلية تجعل الإنسان قادراً على ضبط نفسه وفهم أثر حضوره في حياة الآخرين.

وأجمل ما في الذكاء الإنساني أنه لا يمنح صاحبه مكانة اجتماعية فحسب، بل يجعله أكثر إنسانية في تعامله مع من حوله. فحين نتعلم كيف نحتوي المواقف بدلاً من تصعيدها، وكيف نخفف الألم بدلاً من زيادته، وكيف نمنح الآخرين فرصة للتعبير بدلاً من الإسراع في الحكم عليهم، فإننا نترك أثراً يتجاوز اللحظة نفسها. وقد لا نتذكر بعد سنوات الكلمات التي قيلت لنا، لكننا نتذكر جيداً من وقف إلى جانبنا عندما كنا في أمسّ الحاجة إلى كلمة طيبة. ولذلك يبقى الذكاء الإنساني من أجمل الصفات التي يمكن للمرء أن يطورها، لأنه لا يجعلنا أكثر فهماً للآخرين فحسب، بل يجعلنا أيضاً أكثر وعياً بقيمة الكلمة، وأثر الموقف، ومسؤولية الإنسان تجاه الإنسان.