كأن المدرسة لم تفتح أبوابها بعد حتى فتحت الشوارع أبواب جحيمها. مع كل موسم دراسي جديد، يعود إلى شوارعنا مشهد متكرر، أولياء أمور يتحولون خلف مقود سياراتهم إلى نسخة أخرى منهم، لا علاقة لها بالأب الحنون أو الأم الحريصة التي ودّعت طفلها بقبلة قبل دقائق.

فجأة، تصبح الإشارة الضوئية عائقاً، والتقاطع خصماً، والدوار ساحة سباق لا ينتظر فيها أحد أحداً! وكأن كل واحد منهم تحوّل فجأة إلى نسخة غاضبة من مايك تايسون، لا يقبل بالتراجع خطوة واحدة، ولو كلّفه ذلك حياة أحد! الكل يتصارع مع الكل، والكل يتأخر عن الكل، والضحية الوحيدة في هذا الزحام هي القيمة التي يفترض أن تُغرس في الطفل الجالس في المقعد الخلفي.

والحقيقة التي يعرفها الجميع، ولا يطبقها إلا القليل، أن الالتزام بالنظام هو أول أبواب تيسير حركة الشوارع وتهدئة النفوس. حين يلتزم الكل، يرى الكل حقه، ولا يشعر أحد بأن أحداً اعتدى عليه، وبالمقابل يلتزم هو الآخر بحق غيره. أما حين ينكسر هذا التوازن، فالنتيجة معروفة، أن تجد نفسك في تقاطع، والإشارة أمامك خضراء، لكنك عاجز عن التحرك، لأن مجموعة من «المستعجلين» ارتأت أنها أهم وأحق من الجميع في تجاوز إشارتها الحمراء، فهم، كما يتصورون، ذاهبون لإيصال أبنائهم إلى المدرسة، وكأن البقية خرجوا من بيوتهم من فرط الملل، لا لمشاوير لا تقل أهمية!

المفارقة المؤلمة هنا أن هذا الولي نفسه (أبًا كان أو أماً)، الذي يسابق الزمن ليوصل ابنه إلى باب المدرسة في الوقت المناسب، هو أول من يهدم بيده أول درس تربوي كان يجب أن يتلقاه ذلك الابن. فأي معنى للانضباط في الفصل، إذا كان ولي أمره قبل دقائق قد تجاوز الإشارة الحمراء أمام عينيه؟ وأي قيمة لاحترام القانون، إذا كان الطفل قد شهد للتو وليّ أمره يصرخ في وجه سائق آخر، أو يطلق إشارة استفزازية لا تليق؟

الطلاب يذهبون إلى المدرسة ليتعلّموا، لكن المدرسة الحقيقية الأولى، كما يقول كل مختص تربوي، هي السيارة، والبيت، والشارع. فما فائدة معلم يشرح للطالب «الانضباط» في الحصة الأولى، إذا كان معلمه الآخر، والده أو والدته، قد شرح له للتو، وبلا وعي، أن القوانين «تفصيل» يمكن تجاوزه إن ضاق الوقت؟!

وحتى لا نظلم أحداً، فهذه السلوكيات ليست قاعدة عامة في مجتمعنا، ولا تمثّل الغالبية بأي حال. لكنها، وهذا ما لا يمكن تجاهله، ظاهرة موجودة، نشاهدها ونعيشها يومياً بسبب حماقة قلة من الناس. والأخطر أنها ظاهرة معدية بامتياز، تتناسخ فيها السلوكيات الخاطئة من سائق إلى آخر، حتى يصبح الاستثناء، إذا تُرك بلا وعي، قاعدة يقلّدها الجميع.

علينا أولاً أن نتذكر أننا أبناء هذا البلد الذي عُرف بحسن أخلاقه وسلوكه الحضاري، وأن هذه اللحظات العابرة من التوتر لا تُشبهنا. وعلينا ثانياً أن ندرك أمراً بسيطاً، ليس هناك مؤسسة أو جهة في هذا البلد إلا وتعلم أننا في وضع استثنائي هذه الأيام (عودة المدارس)، ولن يُحاسَب أحد أو يُجرَّد من منصبه بسبب دقائق تأخير في مثل هذه الظروف. هناك جانب إنساني يدركه الجميع، ويتعاون الجميع فيه، ويجب أن يبقى كذلك.

فالطفل لا يسمع فقط ما نقوله له، بل يرى، قبل كل شيء، ما نفعله أمامه. وحين تتصادم الكلمة مع الفعل، يفوز الفعل دائماً.فلنحرص، قبل أن نطالب مدارسنا بتخريج أجيال منضبطة وواعية، أن نكون نحن أول من يمنحهم هذا الدرس، خارج أسوار الفصل، وعلى مقود السيارة تحديداً.