في الشرق الأوسط، لم تعد قوة الدول تُقاس بعدد الصواريخ أو حجم الجيوش وحدهما، بل بقدرتها على حماية اقتصادها عندما تهتز المنطقة من حولها.
وفي الخليج تحديداً، تبدو المعادلة أكثر تعقيداً: دول تبني مدناً وموانئ واقتصادات رقمية، وتنافس على الاستثمارات العالمية، بينما تقع في قلب جغرافيا يمكن أن تتحول فيها أزمة إقليمية واحدة إلى اختبار مباشر للتجارة والطاقة والأسواق.
هنا تكمن أهمية الخليج في عين العاصفة. فمضيق هرمز ليس مجرد ممر بحري؛ إنه أحد مفاتيح الاقتصاد العالمي. وأي تهديد لحركة الملاحة فيه لا يتوقف أثره عند أسعار النفط، بل يمتد إلى التأمين والنقل وسلاسل الإمداد وثقة المستثمرين.
ولهذا فإن أمن الممرات البحرية لم يعد قضية عسكرية فقط، بل أصبح جزءاً من الأمن الاقتصادي والسيادي لدول المنطقة.
المفارقة أن دول الخليج لم تتعامل مع هذه البيئة المضطربة بمنطق الانتظار.
فبدلاً من تعليق مشاريعها إلى أن تهدأ المنطقة، مضت في تنويع اقتصاداتها، وتطوير موانئها وبنيتها التحتية، والاستثمار في التكنولوجيا والطاقة الجديدة، وبناء قطاعات أقل اعتماداً على النفط.
وهذه ليست رفاهية تنموية، بل استراتيجية تحصين في منطقة أثبتت التجارب أن الأزمات فيها قد تطول أكثر مما يتوقع الجميع.
لكن التحدي لا يأتي من الحروب وحدها. فإيران، عبر عقود، أدركت القيمة الاستراتيجية للجغرافيا التي تحيط بالخليج العربي، واستخدمت التهديدات البحرية وأمن الطاقة وأدوات النفوذ الإقليمي ضمن معادلة صراع تتجاوز حدود المواجهة المباشرة.
ولذلك فإن حماية النمو الخليجي تتطلب ألا تتحول الجغرافيا إلى نقطة ابتزاز اقتصادي، وألا تصبح التجارة رهينة لحسابات الصراع الإقليمي.
ومن هنا، فإن القوة الخليجية الحقيقية لا تكمن فقط في امتلاك القدرة على الردع، بل في بناء اقتصاد يستطيع مواصلة العمل حتى تحت الضغط؛ وموانئ تستطيع الحفاظ على انسيابية التجارة؛ وسلاسل إمداد أكثر تنوعاً؛ وقدرات تقنية وأمنية تقلل من أثر المفاجآت.
فكلما ازدادت قدرة الخليج على امتصاص الصدمات، تراجعت قدرة خصومه على استخدام الاضطراب الاقتصادي كسلاح.
والأهم أن تماسك دول الخليج العربي واستقرارها الداخلي يمثلان ميزة استراتيجية لا تقل أهمية عن أي قدرة عسكرية.
فالثقة التي بنتها هذه الدول مع المستثمرين والأسواق العالمية ليست مجرد مكسب اقتصادي، بل عنصر من عناصر قوتها السياسية في عالم تتغير فيه موازين النفوذ بسرعة.
حجر الزاوية
حجر الزاوية في المرحلة المقبلة ليس انتظار نهاية العاصفة، بل بناء القدرة على الحركة داخلها.
الخليج لا يملك ترف اختيار جغرافيته، لكنه يملك القدرة على تحويلها من مصدر للمخاطر إلى مصدر للقوة. وكل استثمار في تنويع الاقتصاد، وحماية التجارة، وتأمين سلاسل الإمداد، وتعزيز التكنولوجيا والقدرات الوطنية، هو في جوهره استثمار في الأمن الخليجي نفسه.
فالاستقرار لم يعد مجرد شرط للتنمية؛ «بل أصبحت التنمية المستدامة إحدى أدوات حماية الاستقرار».
وفي منطقة تتكرر فيها الأزمات، ستكون الدولة الأكثر قدرة على حماية اقتصادها وثقة العالم بها هي الدولة الأكثر قدرة على حماية مستقبلها.
وهنا تحديداً تكمن قوة الخليج: «أن يبقى واقفاً، منتجاً، ومزدهراً، بينما تعصف المنطقة من حوله».