يتصفح أحد الشباب ذو السادسة عشر من عمره، حساب إنستغرام الخاص بوالدته، فينتقل من يوم لآخر ومن شهر لآخر، ويستمر وهو يمرر إلى الأسفل لينتقل من سنة لأخرى، وفي خلال هذه الجولة يرى شريط حياته، حتى يصل إلى الثانية من عمره وهو ملطخ بكريمة الكيك من رأسه إلى أخمص قدمه، وليس عليه سوى قطعة واحدة من ملابسه الداخلية، ثم إلى صورة أخرى وقد لبس نظارة جدته الطبية بالمقلوب، مع مئات من التعليقات الطريفة و»لايكات» أشخاص يعرفهم مروا عليها، ليقول بعدها في نفسه: «لم يأخذ أحد موافقتي على هذا العرض المحرج».

في الواقع نحن أمام أول جيل في تاريخ البشرية بلغ الآن سن الرشد، فوجد تاريخه مصوراً ومعروضاً على الملأ -وقد يكون محرجاً في بعض محطاته- والمؤرخ المؤرشف ليس غريباً أو خصماً، بل هو أقرب الناس إليه ويحبه أكثر من نفسه، فلا يجد عدواً أو شريراً ليحاكمه، وهذه بحد ذاتها عقدة المسألة. فأمهات آخر جيل موجود الآن، عندما بدأن قبل ست عشرة سنة «بنشر الغسيل» لم يكن الأمر بهذا الوصف بالنسبة لهن، إنما بدأ كفعل اجتماعي لطيف، كمن تتصفح ألبوم الصور العائلي مع صديقاتها لتستمع بردودهن، فأكثرهن حديثات عهد بالأمومة وجدن في تعليقات الأهل والأصدقاء على كل صورة تنشر، ما يملأ وقت الفراغ والوحدة. فعند الكثيرات لم يكن نشر الصور استعراضاً، بقدر ما هو بحث عن صحبة، لكن الفارق بين مشاركة مجموعة من الناس تصفح ألبوم الصور في مجلس، ومشاركتهم تصفح الألبوم ذاته على وسائط التواصل الاجتماعي هائل وكبير. فذاكرة البشر كثيراً ما تغيب عنها التفاصيل وتمنح المقابل فرصة ليكون إنساناً آخر، أما الأرشيف المصور فلا يغفل ولا ينسى ولا يترك للمقابل فرصة ليتخلص مما يحرجه. فالمراهق والشاب الصغير، الذي يحاول صناعة صورة جديدة لنفسه أمام الآخرين، يصطدم بنسخة رقمية أخرى عنه موجودة عند صديق فضولي، يجدد الحياة فيها وينشرها من جديد، في وقت نجد فيه الجيل الجديد انتقائياً فيما ينشر عن نفسه، فبعضهم لا ينشر وجهه أصلاً، ربما لأنهم رأوا ما فعله النشر غير المدروس، خصوصاً وأن الجيل الجديد يعلم أكثر من الجيل السابق أن ما ينشر يُعاد استخدامه بطرق ليس للنشر الأول سلطة عليه، فيدخل في أنظمة إعلانات وقواعد بيانات تدرب على التعرف على الوجوه وملامح تستخدم في صناعة شخصيات بالذكاء الاصطناعي. فصورة طفل في عيد ميلاده قبل خمس عشرة سنة، هي اليوم جزء من بنية تقنية لم تكن موجودة يوم التقاط الصورة.

من الخطأ أن يُقرأ هذا الأمر كأنه محاكمة للأمهات أو الآباء، الذين نشروا صور أولادهم، فهم لم يرتكبوا جريمة، بل أظهروا فرحهم في حينها، لكن هذا الفرح عندما يكون علنياً في زمن التكنولوجيا الحديثة يصبح قابلاً للبحث وإعادة الإنتاج.

* عميد كلية القانون – الجامعة الخليجية