هناك دول تستطيع أن تتحدث عن الحوار لأنها لم تدفع ثمنه من أمنها وسيادتها، وهناك دول تعرف أن بعض الكلمات الدبلوماسية لا تستطيع أن تمحو ما تركته الصواريخ والمسيّرات والتهديدات والخلايا من أثر في ذاكرة الوطن.

والبحرين من النوع الثاني. لذلك فإن رفضها المشاركة في أي اجتماع جماعي يضم إيران قبل عودة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين ليس تشدداً سياسياً، بل موقف دولة تعرف جيداً ماذا يعني أن تُمس سيادتها وأن يصبح أمنها الوطني موضع استهداف.

فما تعرضت له البحرين لم يكن خلافاً دبلوماسياً عابراً.

لقد امتدت التهديدات إلى الأعيان المدنية والبنية التحتية، وتزامنت معها محاولات متكررة لزعزعة الاستقرار. وعندما كانت المنطقة تعيش مواجهات عسكرية وأمنية مرتبطة بنظام إيران، لم تكن البحرين مجرد متفرج على المشهد؛ بل واجهت تداعيات مباشرة، وأصبحت منشآتها وأمنها الوطني جزءاً من حسابات الصراع. لكن الخطر لم يكن يأتي دائماً من الخارج.

ففي الداخل، كشفت السنوات السابقة عن خلايا وعناصر ارتبطت بمشروع أيديولوجي وسياسي يقوم على «ولاية الفقيه»، ولم تتعامل مع الدولة الوطنية باعتبارها المرجعية الوحيدة للولاء السياسي.

وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: عندما تتحول العقيدة السياسية العابرة للحدود إلى ارتباط وتنظيم وتعاون يخدم مشروعاً خارجياً، فإن القضية لم تعد اختلافاً في الرأي، بل تصبح قضية سيادة وأمن قومي.

ولهذا لا يمكن فصل الموقف البحريني الحالي عن هذه الذاكرة. فكيف يمكن أن يُطلب من البحرين أن تجلس في ترتيبات جماعية مع إيران، بينما لم تُعالج جذور انعدام الثقة، ولم تُمحَ آثار ما تعرضت له المملكة، ولم يتغير بصورة مقنعة السلوك الذي جعل أمن دول الخليج العربي في دائرة التهديد؟

الحوار ليس المشكلة، بل «الحوار الذي يريد من الضحية أن تنسى قبل أن يطمئن إلى أن ما حدث لن يتكرر».

البحرين لا تغلق باب السياسة، لكنها تضع مفتاحه في مكانه الصحيح: احترام السيادة أولاً، وضمان أمن الدولة أولاً، ثم يأتي الحوار. أما أن تتحول دعوات التهدئة إلى مظلة لتجاوز الاعتداءات أو تبييض صفحة الماضي، فذلك ليس سلاماً، بل قفز فوق الحقيقة.

- حجر الزاوية: الدول لا تحفظ أمنها بالشعارات، ولا تصون كرامتها بالنسيان. ومن حق البحرين أن تقول بوضوح إن من استهدف أمنها، أو تعاون مع مشروع يستهدف استقرارها، لا يمكن أن يُطلب من الدولة أن تتعامل معه وكأن الماضي لم يكن.

«فالأنقاض لا تُزال بالتصريحات، والثقة لا تُبنى بالمصافحات، والسيادة ليست ورقة على طاولة التفاوض. ولهذا قالت البحرين: «لا حوار فوق الأنقاض».