لطالما سألت أبي -رحمه الله- عن مسائل كثيرة، وكنت دوماً أتوقع منه ثلاث إجابات، وبالفعل لم تكن تخرج الإجابة عنها يوماً، الأولى يجيبني على السؤال إما بالتفصيل، وإما بقدر ما لديه من معلومة، والثانية يقول لا أعرف، والثالثة يقول انتظرني أتحقق من فلان أو فلان، وبالفعل بعد فترة يعطيني الجواب وقد يكون في بعض الأحيان أنه لم يصل إلى جواب، لكن في كل الحالات التي يقدم فيها الجواب يقدمه ومعه شعور باللذة فهو طريق مشاه بنفسه، إما عاش أحداثه، أو ذهب إلى فلان وفلان وحصل على المعلومة.

اليوم أسأل أولادي –والفارق بينهم وبين جدهم سبعين سنة- عن أمر لا أعرفه أو عن تفاصيل قضية في مجال اهتمامهم، فأجد أحد الأمرين إما إجابة بثقة كاملة، أو يرفع أحدهم هاتفه ليكتب لحظات ثم يجيبني، وفي الحالتين إذا سألته من أين لك هذا؟ يستغرب من سؤالي وكأني سألت عن بديهية معلومة بالضرورة، ثم يشر إلى هاتفه وكأنه يشير إلى البرهان القاطع والمصدر العذب.

بين أبي وأبنائي، التحول والتغيير أكبر بكثير من الأدوات، فالمسافة اليوم بين الإنسان وبين المعلومة لا تقاس بالساعات والأيام، بل بالثواني المعدودة، وهي نعمة من النعم العظيمة، لكن النعم العظيمة تجلب معها أسئلة عظيمة أيضاً، في زمن الآباء والذي عشنا جزءاً كبيراً من حياتنا فيه، كانت الأزمة تتلخص في كيفية الوصول للمعلومة، فأي كتاب، وأين الكتاب، وكيف أصل إلى المعلومة داخل الكتاب، في زمن الأبناء والذي نعيشه اليوم معهم الأزمة مقلوبة، لأن المعلومة تأتينا بدون أن نطلبها، تقف على شاشات هواتفنا بلا استئذان، وفي أحيان كثيرة تتسلل إلى عقولنا قبل أن نفتش فيها، والسؤال لم يعد كيف أصل إليها، بل هل هي معلومة أم خبر، فالأولى تم التحقق من صدقها، والثانية تحتاج إلى تحقق لتصبح معلومة، ثم حتى لو كانت صحيحة هل هي مجتزأة من سياقها وقُدمت بطريقة غيّرت معناها، أم أنها في سياقها الصحيح؟

لاشك في أن سرعة الوصول نعمة، لكنها تمنحنا مع ما حصلناه شعوراً زائفاً بالامتلاك، فالجواب الذي حصلناه بلا عناء وظننا أننا فهمناه ولّد لدينا خلطاً بمعرفة ماذا يقال ولماذا نصدّقه، وهذا وهم المعرفة، فنعرف النتيجة ونجهل كيف وصلنا إليها، وإذا طُلب منا الدليل ذهبت يدنا إلى الشاشة فوراً.

ما زاد الأمر تعقيداً أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي تصقل النتائج وتقدمها لنا بلغة الواثق وبأسلوب الحكماء، وقد تكون صحيحة وقد تكون خطأ يرتدي ثوب الصحة، ومن يكشف الفرق هو صاحب العقل الذي تعلم أن يسأل. وهنا يأتي دور مؤسسات التعليم بكل مستوياتها، فأول إجراء يجب عليها اتخاذه هو التوقف عن مكافأة الطالب على سرعة إجابته، وتنتقل إلى تعليمه كيف يشك بالإجابة، ولا أقصد بالشك الارتياب ورفض كل إجابة، لأن ذلك يدفع إلى الكسل، بل أعني بالشك، التأني قبل قبول النتيجة والبحث عن مصدرها، فبدلاً من أن يطلب المعلم الجواب، يمكنه أن يقول للطلبة الجواب ستصلون إليه برمشة العين، لكن بعد أن تحصلوا عليه ابحثوا عن مصدرين له، وهذا هو المطلوب.

أذكر أن أول ما تعلمته في الجامعة في السنة الأولى هو عبارة «نصف العلم قولك: لا أدري»، وكان أساتذتنا الكبار يكررونها دوماً ويقولون هكذا هم العلماء، واليوم بعد هذا التطور التكنولوجي الهائل، ربما أفضل ما نقدمه لأبنائنا، سؤال قديم نعيد إليه معناه وهو: من أين لك هذا؟

* عميد كلية القانون - الجامعة الخليجية