في بيوتنا القديمة حكايات كثيرة، وبعض صورها بقي في الذاكرة أكثر من غيره. ومن ذلك الحوش مرّت بنا سابقاً حكاية دجاجة بلا ريش، تعتلي جذع الشجرة وكأن العلو وحده يكفي لصناعة القيادة. وفي زاوية أخرى منه، كان السبوس يُنثر للدجاج، فتجتمع عليه من كل جهة، تنقره وتبعثره، بينما يردد الكبار مثلاً ظل عالقاً في الذاكرة: «من جعل نفسه سبوس.. لعبت فيه الدياي».
كبرت، وفهمت أن الإنسان قد يكون في حكايةٍ دجاجةً بلا ريش، وفي حكاية أخرى يجعل نفسه سبوساً.. والمشكلة في الحالتين واحدة: أن يبدو صاحباً للمكان، ثم يتخلى بيده عما يجعل لكلمته وزناً.
وفي عالم المؤسسات، لا تضيع القيادة دائماً لأن أحداً انتزعها. أحياناً يتنازل عنها صاحبها قطعةً قطعة، من دون أن يشعر. يملك الصلاحية، لكنه يتردد في استعمالها.. يسمع الجميع، لكنه لا يحسم. يطلب رأياً بعد رأي، ثم لجنة بعد لجنة، حتى يتحول القرار من مسؤولية واضحة إلى شيء يتقاذفه الجميع.
وهذه ليست قصة حوشنا وحده. تقارير رقابية وتجارب لمشاريع كبرى في بريطانيا وكندا والولايات المتحدة كررت، بصيغ مختلفة، أن غموض المسؤوليات، وبطء الحسم، وعدم وضوح من يملك القرار، يمكن أن يرهق المشروع بقدر ما ترهقه المشكلة التقنية نفسها. فالمشروع قد يملك أفضل الأنظمة والخبراء، لكنه يبقى مرتبكاً إذا كان كل طرف يستطيع أن يدفعه في اتجاه، ولا يوجد من يعيد الجميع إلى طريق واحد.
والأغرب أن كثرة الاجتماعات لا تعالج هذا الفراغ بالضرورة. فقد تمتلئ الطاولة بالأوراق، وتزدحم الشاشة بالعروض، ويخرج الجميع باتفاق جميل، ثم يعود السؤال في اليوم التالي كما دخل: من الذي سيقرر فعلاً؟
وهنا تظهر المفارقة: إذا لم يحدد صاحب الصلاحية الأولوية، حددها الأكثر إلحاحاً. وإذا لم يرسم الحدود، رسمها الأكثر حضوراً. وإذا ترك الباب نصف مفتوح، سيبدأ كل طرف بالدخول منه بالطريقة التي تناسبه. ليس لأن الجميع سيئون، بل لأن الفراغ الإداري، مثل «السبوس» في الحوش، يجذب من حوله.
والحسم لا يعني القسوة، كما أن الاستماع لا يعني التنازل. قد يكون القرار «نعم»، أو «لا»، أو «نعم بشروط»، أو حتى «ليس الآن». كلها قرارات محترمة إذا كانت واضحة، ولها صاحب يتحمل نتيجتها. أما أن يبقى الجميع في انتظار موافقة لا تأتي، فذلك ليس حرصاً دائماً؛ أحياناً هو مجرد تردد يرتدي ثوب الحكمة.
المؤسسات لا تحتاج إلى من يرفع صوته أكثر، بل إلى من يجعل للكلمة معنى بعد أن تُقال. فالمنصب يمنح صاحبه مكاناً، لكنه لا يمنحه وزناً إلى الأبد. الوزن يأتي من وضوح القرار، وثباته، وتحمل تبعاته.
ولهذا عاد المثل بعد كل هذه السنوات أوضح من ذي قبل: الدياي لم تكن المشكلة، والسبوس لم يكن ضحية بريئة تماماً.
فمن جعل صلاحياته سبوساً.. لا يستغرب إن لعبت فيها الدياي.
أما حين يبدأ الكرسي نفسه بالخوف من التغيير، فتلك حكاية أخرى.
* خبير تقني