غالباً ما أفكر في الأفكار التي تتجول بحريةٍ في رأسي. أراقبها وأحاول أن أتعرف عليها أكثر. من أين جاءت؟ وإلى أين تمضي؟ رأسي مسرح حافل بالأفكار التي تشبهني، والدخيلة التي لا تشبهني. يقلقني وجود هذا الكم الهائل منها وكل الضجيج الذي تحدثه في صراعها مع بعضها البعض.
في الواقع نحن لا نفكّر فقط، بل نقيم علاقات حقيقية مع أفكارنا. نحبّ بعضها، ونخاف بعضها، ونرث بعضها كما نرث لون العينين وملامح الوجه والأمراض العائلية.
ثمة أفكار نعيش عليها. نستيقظ فنجدها قبالتنا وجهاً لوجه، وأخرى نستدعيها كلما ضاقت بنا الحياة. ففكرة مثل أن الغد قد يكون أفضل، قد تكون صديقاً وفيًّا يربّت على كتفنا كلما خذلنا الحظ. وفكرة أن هناك فرصة أخرى قد تكون اليد التي تمنعنا من السقوط. أحياناً يبقى الإنسان حيًّا؛ لأن فكرة واحدة عن الأمل ظلت متشبثة به.
لكن هناك الكثير من الأفكار التي لم نخترها أصلًا. وُلدنا فوجدناها مقيمة في رؤوسنا، تجلس فيها كما نجلس مع الأهل ونشاركهم أحاديثهم: أفكار عن النجاح والفشل، عن المال والزواج، عن الخوف والألم، وعن الأحلام التي تليق بنا، وتلك التي يجب أن نخجل منها، ثم كبرت معنا حتى صرنا نظن أنها نحن.
والغريب أننا نتسامح مع أفكارنا الموروثة كما نتسامح مع والدينا. ونخشى أن نراجعها كأننا بذلك نسيء إلى الذين زرعوها فينا، مع أن بعض ما يورّثه الأهل لأبنائهم ليس من باب الحكمة، بل نابع من الخوف الذي لم يتمكنوا هم أنفسهم من هزيمته.
ثم هناك أفكار أخرى مثل: آراء الناس، مقارناتهم، توقعاتهم، وما يظنونه مناسباً لأعمارنا وأشكالنا وظروفنا. تدخل هذه الأفكار متسللة من النوافذ، وتظل تتجول فينا، نعطيها مفاتيحنا، ثم تعيث في حياتنا فساداً وفوضى.
أما أخطر الأفكار، فهي تلك التي ظننا أنها تحمينا بينما كانت تؤذينا: مثل ألا نطلب حقوقنا كي لا تقابل بالرفض، وأن قيمتنا مرهونة بما نقدمه للآخرين، وأن علينا أن نبدو بخير دائماً أمام الآخرين. نحملها لسنوات، وندافع عنها، ونبحث في الحياة عن أدلة تثبت صحتها، ثم لا ننتبه إلى أننا نعيش داخل قصة كتبها خوف قديم، ورثناه من أهلنا.
ليست كل فكرة تسكنك تستحق الإقامة الدائمة، فبعضها يحتاج منك إلى الشجاعة حتى تواجهها وتقول لها: أعرف من أين جئتِ، ولماذا بقيتِ، لكنك لا تليقين بالحياة التي أريدها.
فالنضج ليس أن يخلو رأسك من الأفكار المزعجة، بل ألا تبقى رهيناً طوال عمرك لأفكار سامة معتقداً -بجهل منك- أنها أنت. فليس من الإنصاف في حق ذاتك أن تبّر فكرة مؤمناً أنها في مقام والديك!