لم تكن الدول التي عانت من الوجود الإيراني ووكلائه، من المحيط إلى الخليج، وحدها من دفعت الثمن يوماً، فها هو الخليج العربي اليوم يقف في مواجهة مباشرة مع الوجه الحقيقي لإيران، ذلك الوجه الذي لطالما تدثر بشعارات الجوار والأخوة الإسلامية بينما يخفي خلفه حقداً وكرهاً دفيناً.
سبعة أشهر كاملة، ودول الخليج العربية تبذل كل ما تملك من ثقل دبلوماسي وحكمة سياسية سعياً إلى إخماد نار حرب لم تكن يوماً طرفاً فيها، حرب اندلعت بين طهران وواشنطن، ولم تكن عواصم دول الخليج العربي سبباً فيها ولا رغبة لها في استمرارها. سبعة أشهر من الوساطات والمبادرات ومحاولات لملمة الصف الإقليمي، فماذا كان الجزاء؟ الجزاء أن حولتنا إيران، نحن أبناء هذا الخليج المسالم، إلى هدف عسكري وانتقامي مباشر!هل هذا هو الجوار الذي تتغنى به طهران في خطاباتها؟ هل هذا هو «حسن الجوار» الذي تتشدق به وسائل إعلامها كل مساء؟ أم أنها فرصة سانحة، انتهزتها إيران بكل ما تحمله من غدر ومكر، لتضرب اقتصاد المنطقة، وتنشر الفوضى في ربوعها بينما العالم مشغول بحسابات الحرب الكبرى؟
الجواب يكتبه الواقع لا الخطابة. مضيق هرمز اليوم مقيد، حركة الملاحة فيه تتهاوى يوما بعد يوم، والناقلات تتعرض للاستهداف تحت ذرائع واهية عن «العبور غير القانوني»، بينما كانت الموانئ السعودية على ضفاف البحر الأحمر هي المتنفس الطبيعي والبديل الآمن لتجارة الخليج ونفطه. غير أن هذا التكامل اللوجستي بين الأشقاء كان أثقل من أن تحتمله طهران، فأوعزت إلى مرتزقتها الحوثيين بالانقضاض على باب المندب والسيطرة على الساحل الغربي لليمن، ليغلق الفكان معا، «هرمز» من جهة و«باب المندب» من جهة أخرى، في عملية خنق ممنهجة.
أهذا عمل عصابة تتصرف بلا حساب؟ كلا، بل هي سلسلة مدروسة، منظمة، ممتدة منذ سنوات، من القرارات والخطط التي لا تدع فرصة تخدم اقتصاد الخليج وملاحته إلا وتجهض عليها. اليوم الهدف السعودية بالدرجة الأولى، وغداً قد يكون أي ميناء آخر، فالحقد لا يعرف التوقف عند حدود جغرافية، ولا يفرق بين خصم وشريك تجاري كان بالأمس القريب يجلس معه على طاولة التفاوض بشأن مستقبل المضيق نفسه «نعم، الطاولة ذاتها التي أجلتها طهران بذريعة «الأحداث اليمنية»، وكأن الحوثيين ليسوا ذراعها!».
هنا يكمن جوهر المأساة. دول الخليج تقف اليوم بقوة وإصرار، تماماً كما وقفت من قبل في محطات تاريخية عديدة، بينما تكتفي الأصوات الغربية والعربية بمواقف التنديد الورقية والبيانات الخجولة التي لا تسمّن ولا تغني من جوع. تنديد هنا، وقلق هناك، وفي الأثناء تستمر الناقلات في التعرض للنيران، وتستمر السفن في تفادي المرور خوفاً على أطقمها.
لكن ليطمئن هؤلاء الجيران الحاقدون إلى أمر واحد، نحن أبناء الخليج لسنا كما توهمتهم حساباتكم الخاطئة. لن ننكسر، ولن نتخلى عن بعضنا بعضاً، ولن تفلح كل محاولاتكم البائسة في تركيع منطقة بنت مجدها بسواعد أبنائها لا بفتات الشعارات. سيأتي يوم، وهو قريب، نرد فيه لكم الصاع صاعين، فحقد الجوار لا يهدم أوطاناً بنتها الرجال، بل يزيدها صلابة وإصراراً.