عبدالله صويلح

- في القرون السابقة، كان الإنسان يُعرف من خلال مبدئه وإمكاناته وأسلوب حياته، وكانت شخصيته أكثر وضوحاً لمن حوله. كانت الحياة أبسط، والعلاقات أكثر عفوية، والإنسان يعيش بما يملك دون الحاجة إلى صناعة صورة مختلفة عن واقعه. فالرجل كان يُعرف من مواقفه، والأسرة من أخلاقها، والكلمة كانت تحمل قيمتها، والثقة تُبنى مع مرور الوقت. لم تكن المظاهر هي المعيار الأساسي للحكم على الإنسان، بل كان الصدق وحسن التعامل يكشفان حقيقة الشخص. أما اليوم، فقد أصبح البعض يهتم كثيراً بالصورة التي يظهر بها أمام الآخرين، حتى لو كانت مختلفة عن واقعه. فنجد من يبالغ في الحديث عن ممتلكاته أو علاقاته أو إنجازاته، فقط ليصنع لنفسه مكانة في أعين الآخرين. ومن هنا يبدأ الادعاء المزيف، عندما تصبح الصورة التي نريد أن يراها الناس أهم من الحقيقة التي نعيشها.

- ومع تطور الحياة وانتشار التكنولوجيا ووسائل التواصل، أصبح البعض يعرض للناس حياة تختلف عن حياته الحقيقية. فنرى شخصاً ينشر صور السفر والمطاعم والهدايا والسيارات، فيظن من يتابعه أنه يعيش حياة مليئة بالرفاهية. وقد يدّعي آخر امتلاك مشروع ناجح أو علاقات واسعة أو معرفة بأشخاص مهمين، فقط حتى يكسب احترام الآخرين. وفي بعض حالات الزواج، قد يخفي أحد الطرفين حقيقة وضعه المالي أو بعض التزاماته، ثم تظهر الحقائق بعد الزواج. المشكلة ليست في الطموح أو تطوير الذات، وإنما في أن يتحول الطموح إلى تزييف للواقع وإيهام للآخرين. فالإنسان قد يستطيع إخفاء الحقيقة فترة من الزمن، لكنه لن يستطيع المحافظة على صورة غير حقيقية إلى الأبد. وما يُبنى على الادعاء قد يجذب الإعجاب في البداية، لكنه يفقد قيمته عندما تظهر الحقيقة أمام الجميع.

- ومع مرور الزمن، أصبح بعض الناس يتعاملون مع الادعاء وكأنه أمر طبيعي، حتى أصبحت المقارنة سببًا في صناعته. فقد ترى أسرة محدودة الدخل تدخل في التزامات مالية كبيرة لإقامة مناسبة تفوق قدرتها، فقط حتى لا تقل عن غيرها. وقد يشتري شخص سيارة أو هاتفاً لا يستطيع تحمل تكاليفه، لمجرد المحافظة على صورة معينة أمام أصدقائه. وقد يقارن البعض حياته بما يشاهده في وسائل التواصل، فيعتقد أن الآخرين يعيشون حياة مثالية لا تنقصها المشكلات. ومع استمرار المقارنة، تقل القناعة ويزداد الضغط، وقد تنتقل الرغبة في الظهور إلى داخل الأسرة فتبدأ الخلافات. وهكذا يتحول الادعاء من مجرد رغبة في الظهور إلى أسلوب حياة يحتاج صاحبه إلى المحافظة عليه باستمرار. وما بدأ بحثًا عن إعجاب الآخرين قد ينتهي بضغط يجعل الإنسان يعيش من أجل الصورة بدلاً من أن يعيش حياته الحقيقية.

- وهناك من يتجاوز الادعاء بهدف الظهور إلى استخدامه وسيلة للنصب والاحتيال واستغلال ثقة الآخرين، وهنا تصبح المسألة أخطر. فقد يظهر شخص أمام الناس على أنه تاجر ناجح، أو صاحب منصب، أو يمتلك علاقات ونفوذًا، ثم يستغل هذه الصورة. وقد يستخدم مكتباً أو سيارة أو مظهراً معيناً لإعطاء انطباع بمكانة لا يمتلكها، ثم يبدأ في استدراج من يثقون به. وفي بعض الحالات، يبني المحتال علاقة اجتماعية مع الضحية حتى يكسب ثقته، ثم يطلب منه المال أو المعلومات. وقد يقع البعض في هذا الفخ لأنهم اعتمدوا على الكلام والمظهر بدلاً من التحقق من حقيقة الشخص ونشاطه. وعندما تظهر الحقيقة، قد تكون الخسارة مالية أو اجتماعية، وقد يصعب على الضحية معالجة آثارها. لذلك فإن الثقة لا تُبنى على المظاهر والادعاءات، وإنما على الحقائق والمواقف والتحقق قبل اتخاذ أي قرار مهم.

- ومن هنا، فإن التعامل مع الادعاء المزيف يحتاج إلى وعي من الشخص الذي يمارسه، وكذلك من الشخص الذي يصدق ما يراه. فلا ينبغي أن تكون السيارة أو المنزل أو الملابس أو السفر معياراً للحكم على قيمة الإنسان أو حقيقة حياته. وفي الزواج أو الشراكة أو التعاملات المالية، يصبح التحقق من الواقع أمراً مهماً قبل اتخاذ أي قرار. فبعض الناس يمتلكون ما يظهرونه فعلًا، بينما يكتفي آخرون بصناعة صورة توحي بأنهم يمتلكون أكثر مما لديهم. وليس كل ما نراه يمثل الحقيقة الكاملة، فهناك تفاصيل كثيرة لا تظهر في الصور، ولا تكشفها الكلمات.لذلك علينا أن نمنح ثقتنا بوعي، وأن نبتعد عن المقارنات، وأن نعرف أن لكل إنسان ظروفاً لا نراها كاملة. فالحقيقة قد تكون أبسط من كل الادعاءات، والإنسان الصادق لا يحتاج إلى صورة مزيفة حتى يثبت قيمته أمام الآخرين.