الدول لا تُختبر فقط عندما تسقط الصواريخ، بل عندما يبدأ الخطر بالبحث عن موطئ قدم داخلها. فالمعركة الحديثة لا تستهدف الحدود وحدها، وإنما قد تستهدف الثقة، والوعي، وتماسك المجتمع، وقدرة مؤسسات الدولة على التحرك في اتجاه واحد.

من هنا، لا ينبغي النظر إلى الاجتماع الأخير الذي جمع السلطتين التنفيذية والتشريعية باعتباره اجتماعاً عابراً أو إجراءً تنسيقياً. فتوقيت الاجتماع يحمل دلالة سياسية واضحة: الدولة تستشعر طبيعة المرحلة، وتدرك أن ما ينتظر المنطقة قد يتطلب جاهزية تتجاوز الاستجابة الأمنية المباشرة، إلى تكامل سياسي وتشريعي ومجتمعي يحصّن البحرين من تداعيات ما قد تحمله المرحلة المقبلة.

لكن أهمية الاجتماع الحقيقية تبدأ من السؤال: «ماذا بعد؟».

فالسلطة التشريعية أمام مسؤولية لا تقل أهمية عن مسؤولية السلطة التنفيذية. والمرحلة لا تحتاج فقط إلى مواقف وبيانات، وإنما إلى تشريع يستبق المخاطر، ورقابة مسؤولة، وقراءة واعية للتحولات التي لم تعد تفصل بين الأمن والسياسة والاقتصاد والفضاء الرقمي.

فالنائب لا يفقد حقه في الاختلاف، بل إن الاختلاف جزء أصيل من العمل البرلماني؛ لكن ممارسة هذا الحق تصبح أكثر مسؤولية عندما يكون الوطن أمام تهديد مباشر.

وهنا يجب أن نتعلم من المرحلة السابقة. فقد شهدت تلك الفترة مواقف نيابية دافعت عن أشخاص اتُخذت بحقهم إجراءات أمنية على خلفية مواقف مرتبطة بالاعتداءات الإيرانية، وانتهى أحد هذه المسارات بإجراءات نيابية وصلت إلى إسقاط عضوية ثلاثة نواب.

ليست القضية اليوم في إعادة فتح ذلك الملف، وإنما في استخلاص الدرس منه: ”كيف نوازن بين الحق في التعبير والرقابة، وبين مسؤولية الموقع النيابي حين يتعلق الأمر بأمن الدولة؟"

الإجابة ليست بإسكات الاختلاف، ولا بإطلاق يد الإجراءات بلا ضوابط؛ وإنما بأن يكون القانون هو نقطة الالتقاء. فالإجراء الأمني الذي يستند إلى القانون والضمانات القضائية يحمي الدولة ويحمي الحقوق في آن واحد - وهذا ما تحقق، والرقابة البرلمانية المسؤولة تقوي المؤسسات بدلاً من إرباكها.

أما المجتمع، فعليه أن يدرك أن المعركة لم تعد دائماً في الميدان.

قد تبدأ بمنشور، أو شائعة، أو معلومة مضللة، أو محاولة لضرب الثقة بين المواطن ومؤسسات دولته.

وهنا يصبح الوعي مسؤولية وطنية، ويصبح الحفاظ على التماسك الداخلي جزءاً من حماية الأمن الوطني.

حجر الزاوية

اجتماع السلطتين رسالة بأن الدولة تستعد، لكن الاستعداد لا يكتمل في قاعات الاجتماعات. فالمؤسسات مطالبة بأن تتكامل، والسلطة التشريعية مطالبة بأن ترتقي بمسؤوليتها، والمجتمع مطالب بأن يحمي وعيه وتماسكه.

فالمرحلة المقبلة قد تكون أصعب، والدول لا يحميها في الأزمات صوت واحد، وإنما دولة متماسكة، ومؤسسات مسؤولة، ومجتمع يعرف أن الوطن ليس ساحة للاختبار.

حفظ الله البحرين، وأدام عليها أمنها واستقرارها، وحفظ شعبها وقيادتها من كل سوء.