”حين تتحول الميليشيات إلى أدوات لتوسيع النفوذ، يصبح أمن الدول وسيادة الأوطان في قلب المواجهة".
إن اعتداءات الميليشيات الحوثية على السعودية ليست مجرد هجمات عسكرية يمكن احتواؤها باعتراض الصواريخ والمسيّرات، بل تحدّياً مباشر لأمن دولة وسيادتها، ومحاولة لفرض معادلات سياسية بالقوة. والخطير في الأمر أن استمرار هذه الاعتداءات يعني التعامل مع أمن السعودية وكأنه قابل للمساومة، ومع استقرار المنطقة وكأنه ثمن يمكن دفعه في صراعات النفوذ. وهذا منطق لا يصنع سلاماً، بل يفتح الباب أمام مزيد من التصعيد.
لكن قراءة المشهد لا تكتمل بالنظر إلى الحدود السعودية وحدها. ففي اليمن، تتجاوز الأزمة مسألة السيطرة على الأرض إلى سؤال أكثر جوهرية: من يملك القرار، ومن يملك السلاح، ولمن تكون السيادة؟ فمنذ سيطرة الحوثيين على صنعاء، تواجه الدولة اليمنية انقساماً مسلحاً يقوض مؤسساتها، فيما تتحمل الحكومة المعترف بها دوليًا مسؤولية استعادة سلطتها وبناء دولة لا تنازعها جماعة مسلحة قرار الحرب والسلم. ولا يمكن أن يستقر اليمن ما دامت قوة مسلحة خارج مؤسسات الدولة قادرة على فرض إرادتها في الداخل وتهديد دول الجوار.
وهنا يبرز الدور الإيراني بوصفه جزءاً أساسياً من المعادلة. فقد أسهم الدعم العسكري والتقني للنظام الإيراني، وفق تقارير دولية، في تعزيز قدرات الحوثيين وتوسيع نطاق تهديدهم. ولا يعني ذلك اختزال الجماعة في قرار خارجي واحد، لكنه يجعل تجاهل هذا الدعم تجاهلًا لأحد مصادر القوة التي تغذي الصراع وتمنحه أبعاداً إقليمية. فحين تتجاوز قدرات جماعة مسلحة حدود المواجهة المحلية، لا تعود المسألة شأناً يمنياً داخلياً، بل تصبح قضية تمس أمن الجوار وسلامة الملاحة الدولية.
وفي مواجهة هذه التحديات، تبرز أهمية الدور السعودي في حماية أمن الخليج العربي، والعمل على تعزيز استقرار المنطقة وصون حرية الملاحة في الممرات المائية الحيوية. فالإجراءات التي تتخذها المملكة لحماية أمنها ومصالحها ترتبط بمسؤولية إقليمية أوسع، نظرًا إلى امتداد أثر أمنها إلى استقرار جوارها وسلامة خطوط التجارة والطاقة الدولية. ومن هنا، فإن دعم الجهود السعودية في مواجهة التهديدات وتعزيز الاستقرار لا يقتصر على حماية المصالح الوطنية للمملكة فقط، بل يرتبط بمصلحة إقليمية ودولية أوسع. وعلى المجتمع الدولي أن يدرك أن حماية الاستقرار لا تتحقق باحتواء التهديدات بعد وقوعها فحسب، بل بمعالجة أسبابها ومصادرها. فالأشد خطورة أن تتحول الأزمات إلى فرص لتوسيع النفوذ، وأن يُترك للدول المستهدفة عبء احتواء النتائج بينما يستمر دعم مصادر التهديد. وعلى من يراهن على إضعاف مؤسسات الدول عبر الجماعات المسلحة أن يدرك أن النفوذ القائم على زعزعة الاستقرار لا يضمن مصالح دائمة، بل يراكم أسباب المواجهة، ويقوض فرص التسوية.
حجر الزاوية
على المجتمع الدولي أن يدرك أن المطلوب ليس إدارة الاعتداءات الحوثية إلى ما لا نهاية، بل وقفها ومواجهة مصادر القوة التي تمكنها من الاستمرار، بالتوازي مع دعم الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً لاستعادة مؤسسات الدولة وقرارها السيادي. فأمن السعودية ليس ملفاً قابلاً للمساومة، واستقرار الخليج العربي وسلامة ممراته المائية ليسا مجالاً مفتوحاً لحسابات النفوذ. ومن هنا، فإن على العالم أن يعرف أن أي تسوية لا تضمن أمن المملكة العربية السعودية، ولا تضع اليمن على طريق استعادة دولته وقراره، لن تكون حلاً للأزمة، بل تأجيلاً لها بشروط أكثر كلفة على المنطقة.