حين أعلن جلالة الملك المعظم تخصيص العام القادم «عام عيسى بن سلمان»، لم يكن الإعلان مجرد تسمية لعام، بل كان استدعاءً لذاكرة وطن، ووفاءً لقائد بقي حضوره حياً في وجدان البحرينيين.
نحن من أبناء جيل عرف صاحب العظمة الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، رحمه الله، لا من الصور والكتب فقط، بل من مواقف صغيرة بقيت معنا حتى اليوم. كنا أطفالًا نلعب في الرفاع الغربي «الجبلي»، جنوب الرفاع، قريبًا من الشارع، فنرى سيارته تمر ونعرفها قبل أن تقترب. وكان، رحمه الله، يسبقنا بابتسامته المعهودة، ويرفع كفّه اليمنى ملوّحاً لنا بالسلام. وما إن تبتعد السيارة حتى نركض إلى أهلنا بفرحة طفولية كبيرة نقول: «الشيخ عيسى سلّم علينا!».
كانت لحظة بسيطة في ظاهرها، لكنها بقيت في الذاكرة عمرًا؛ لأنها علمتنا أن الهيبة لا تتعارض مع التواضع، وأن القائد حين يلتفت إلى الطفل يمنحه شعوراً بقيمته لا ينساه.
ومن المواقف التي تُروى عن إنسانيته أن أحد الأشخاص تعطلت سيارته في الطريق، في زمن لم تكن فيه الهواتف النقالة متاحة للناس كما هي اليوم، فظل واقفاً ينتظر من يعينه. فإذا بصاحب العظمة الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، رحمه الله، يوقف سيارته وينزل بنفسه ليسأله عن حاله، ثم يوجّه بمساعدته وإصلاح سيارته حتى يتمكن من العودة إلى أهله. موقف يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه يكشف خُلُقاً كبيراً؛ فالعظمة الحقيقية تظهر حين يلتفت القائد إلى حاجة الإنسان، ويجعل من قربه من الناس فعلًا قبل أن يكون صفة. وللشيخ عيسى بن سلمان جانب آخر يضيف إلى صورته الإنسانية بعدًا أجمل؛ فقد كان له حضور في الشعر، وله أبيات تنم عن موهبة وإحساس مرهف. فالشعر لا يصدر إلا عن نفس تلتقط التفاصيل وتشعر بها بعمق، وما أجمل أن تجتمع في القائد هيبة المسؤولية ورهافة الشاعر. ومن هنا تأتي قيمة هذه اللفتة الملكية الكريمة؛ فهي وفاء ابن لوالده، ووفاء ملك لقائد من قادة الوطن، ووفاء البحرين لذاكرة رجل ارتبط اسمه بمرحلة مهمة من تاريخها، وبأخلاق بقيت حاضرة في قلوب الناس.
رحم الله صاحب العظمة الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، شيخاً ابن شيوخ، ووارثاً لمجد الشيوخ خُلُقاً وأصالةً وتواضعاً، حمل إرث آبائه ثم أورثه لسلالته من بعده، فبقي حسن الخلق والقرب من الناس نهجاً ممتداً عبر الأجيال.
ولهذا لم تكن محبة الشعب لهذه الأسرة الكريمة وليدة اليوم، بل محبة متوارثة؛ من أبٍ متواضع قريب من الناس، إلى ابنٍ ملك قلوب شعبه بتواضعه ومحبته لهم. وكأن الخُلُق الجميل انتقل مع الإرث، فبقيت المحبة جسراً ممتداً بين القيادة والشعب. إن «عام عيسى بن سلمان» ليس عاماً لاستعادة الصور القديمة فحسب، بل مناسبة لاستعادة القيم التي صنعت ذلك الحضور: التواضع، وجبر الخاطر، والقرب من الناس، ورهافة الإحساس، وحفظ الود. وأهلًا بعام يحمل اسم صاحب العظمة الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة؛ عاماً نستعيد فيه رجلاً رحل عن الدنيا، لكنه لم يرحل عن ذاكرة البحرين ولا عن قلوب أهلها.