هذا الصباح، لم تكن شيخة ذاهبةً إلى رحلة مدرسية فحسب، بل كانت، في عيني، تفتح باباً صغيراً من أبواب العالم.

خرجت بوجهٍ تملؤه الفرحة، وعينين تتزاحم فيهما الأسئلة، كأنها الأميرة أورورا حين تستيقظ على عالم جديد؛ كل شيء حولها يبدو أكثر اتساعاً، وكل طريق يحمل احتمال حكاية، وكل نافذة في الحافلة يمكن أن تفتح أمامها باباً إلى دهشة جديدة.

وأنا أراها تستعد، عادت إليّ طفلةٌ قديمة أعرفها جيداً.

كنت أنا.

تذكرت تلك المرات الأولى التي خرجنا فيها، ونحن في المرحلة الابتدائية، من دائرة البيت والمدرسة إلى مكانٍ آخر، فنشعر للمرة الأولى أن العالم أكبر من حدود ما ألفناه، وأن أمامنا مساحات جديدة لاكتشافها.

فالبيت كان عالمنا الأول، والمدرسة عالمنا الثاني، ثم جاءت الرحلة لتهمس لنا: هناك عوالم أخرى تنتظركم.

كنت قبل الرحلة بيوم أعيش فرحتين في وقت واحد؛ فرحةً كبيرة لأنني سأخرج مع صديقاتي وأكتشف مكاناً جديداً، وقلقاً صغيراً أخفيه في داخلي لأن أمي لن تكون معي.

لكن ذلك القلق كان يتراجع حين نذهب إلى الدكان لشراء زاد الرحلة.

كم كانت أشياء بسيطة، وكم كنا نراها كنوزاً!

كيك «بو ثلاث ربيات»، وأعواد الجبس، وبعض الفاكهة، وعصير نضعه في كيس نحمله معنا. لم يكن يهمنا شكل الكيس ولا لونه، فالمهم أنه يحمل زاد يومٍ كنا نراه يوماً استثنائياً.

لم نكن نعرف آنذاك شيئاً اسمه «لانش بوكس»، ولم تكن التفاصيل كثيرة، لكن فرحتنا كانت أوسع من كل الصناديق الملوّنة التي جاءت بعدنا.

أما الرحلات نفسها، فكانت لها حكاية أخرى.

كنا نذهب إلى حديقة السلمانية أو حديقة الأندلس، ونقضي ساعاتنا تحت السماء المفتوحة، وتحت شمس البحرين الجميلة التي كانت تملأ المكان ضوءاً ودفئاً. وربما اشتدت حرارتها أحياناً فوق رؤوسنا، لكنها لم تستطع أن تفسد شعورنا بالفرح؛ فكنا نركض ونضحك ونتقاسم الطعام والحديث، ونعود وقد علقت في ملابسنا رائحة العشب والتراب والشمس، وكأننا نحمل معنا قطعةً صغيرة من نهار بحريني جميل.أما اليوم، فقد تبدلت الصورة.

أصبحت الرحلات إلى المجمعات، وإلى أماكن الألعاب المغلقة والمكيّفة، بألوانها الزاهية، وأضوائها المبهرة، وألعابها الكثيرة. صار الطفل يدخل إلى عالمٍ بارد الهواء، منظم التفاصيل، تحيط به الموسيقى والألوان من كل جانب.

ومع ذلك، حين أنظر إلى شيخة وصويحباتها، أعرف أن الفرح لم يتغير.

نحن كنا تحت شمس البحرين الجميلة، وهنّ اليوم تحت الأضواء.

نحن كنا نحمل طعامنا في كيس بسيط، وهنّ يحملنه في صناديق جميلة مزينة بالشخصيات التي يحببنها.

نحن كانت رحلتنا إلى حديقة، وهنّ قد تكون رحلتهن إلى مكان مكيّف مليء بالألعاب.

لكن ضحكة الطفلة وهي تخوض أولى مغامراتها بعيداً قليلاً عن حضن الأسرة، تبقى هي الضحكة نفسها.

والقلب الصغير الذي يفرح بأنه كبر قليلاً، ثم يشتاق فجأة إلى وجه أمه، هو القلب نفسه.

أعرف ما تشعر به شيخة اليوم.

فرحٌ كبير لأنها كبرت قليلاً، وفخرٌ صغير بنفسها لأنها ذهبت مع روضتها ومعلماتها وصويحباتها إلى مكان جديد. ستجلس بينهن وتضحك، وربما تلتصق بالنافذة تراقب الطريق، وتشعر أن العالم اتسع فجأة أمام عينيها.لكنني أعرف أيضاً أن بين ضحكة وأخرى قد يمر وجه أمها في خاطرها.

وربما تتمنى في لحظة عابرة أن ترى أختها أو أخاها، أو تلتقي مصادفةً بأبيها، فقط كي تطمئن أن عالمها الأول ما زال قريباً منها.

هي تشبهني في أمور كثيرة.

فالعائلة بالنسبة إلينا ليست مكاناً نعود إليه فقط، بل هي أول نقطة نبدأ منها، وآخر نقطة يطمئن عندها القلب.

وحين أتأمل رحلتها الأولى، أجد أن المسافات بين طفولتنا وطفولتهم ليست بعيدة كما نظن.

نحن بدأنا أولى خطواتنا خارج البيت من المدرسة، وهم يبدأونها اليوم من الروضة.

نحن كنا نصنع أميراتنا في خيالنا، أما شيخة فقد اختارت أورورا؛ أميرةً وردية الأحلام، ناعمة الحضور، كأنها تشبه شيئاً من عالمها الصغير، أو ربما كانت شيخة نفسها في ذلك الصباح أميرةً صغيرة خرجت من قصرها الأول لتكتشف ما وراء البوابة.

لكن الفرح واحد.

والدهشة واحدة.

والالتفاتة الصغيرة إلى الخلف قبل الابتعاد واحدة.

ذهبت شيخة اليوم في أول رحلة من رحلات عمرها، وستعود محمّلة بأشياء لا توضع في حقيبة؛ ضحكات، وحكايات، ومواقف صغيرة، وربما تفصيل لن ينتبه إليه أحد سواها، لكنه سيظل في ذاكرتها طويلاً.

وسنجلس نحن لنسمعها، كما كان أهلنا يجلسون ليسمعوا منا حكايات رحلاتنا القديمة.

وسنكتشف أن الزمن، مهما غيّر الحدائق إلى مجمعات، والشمس إلى تكييف، والكيس البسيط إلى صندوق ملوّن، لم يستطع أن يغيّر سرّ الطفولة.

فالرحلة الأولى ليست مجرد خروج من البيت...

إنها اللحظة التي يكتشف فيها الطفل أن العالم أكبر مما كان يظن، وأنه يستطيع أن يبتعد قليلاً، ثم يعود إلى أهله وفي عينيه حكاية جديدة.

فهل تتغير الطفولة حقاً... أم أن الأشياء وحدها تتبدل، بينما تبقى فرحتها الأولى كما كانت، مضيئةً مثل شمس البحرين الجميلة؟