ليف كوليشوف مخرج روسي، يحكى أنه قبل أكثر من مائة سنة أجرى تجربة بسيطة غيرت فهم الناس للصورة إلى اليوم، فقط أخذ لقطة واحدة لوجه ممثل معروف وهو إيفان موزجوخين، بوجه هادئ لا تعبير فيه ولا حركة، ثم وضع بعدها مرة صحن حساء، ومرة طفلة ميتة في تابوت، ومرة امرأة مستلقية، وعرض المقاطع الثلاثة على الجمهور، بعدها خرج الناس يثنون على الممثل وعلى قدرته العجيبة، فكم كان جائعاً في الأول، وكم كان حزينا في الثاني، وكم كان مشتاقاً في الثالث! وهو وجه واحد لم يتغير فيه شيء، بل اللقطة نفسها أعيدت ثلاث مرات، ما تغير هو ما وضع إلى جانبها، والمعنى كله جاء من جوار الوجه لا منه.

اليوم هذه التجربة تُجرى علينا كل يوم، وبدلاً من وجه ممثل تستخدم وجوه بشر أحياء لهم أسماء وبيوت وعائلات، مقطع عبارة عن ثلاثين ثانية، لا يبدأ من أول الحكاية، لأن صاحب الهاتف لم يخرجه إلا بعد أن ارتفعت الأصوات، فنرى رجلاً يصرخ ولا نرى ما قيل له قبل دقيقتين، ونرى يداً تمتد ولا نعرف من بدأ، ثم ينقطع المقطع فجأة لأن المصور خاف أو مل أو امتلأت ذاكرة هاتفه، ومع ذلك يصدر الحكم في ساعة، على هيئة آلاف التعليقات، تسعة من كل عشرة منها تعرف النوايا وتقرأ ما في القلوب، ثم يظهر «المحققون» فيستخرجون اسمه ومحل عمله وصورة بيته ومدرسة أولاده، فيفصل من وظيفته ويتبرأ منه أصدقاؤه، وبعد أسبوعين قد يظهر مقطع آخر من زاوية ثانية يقلب القصة رأساً على عقب، لكنه لا ينتشر، لأن البراءة ليست مادة مشوقة، والناس انتقلوا إلى ضحية الأسبوع القادم.

لاشك في أن الكاميرا لا تكذب، لكنها في الوقت نفسه لا تقول الحقيقة كاملة، وأن بين الأمرين مسافة يسقط فيها الأبرياء، فالذي حمل الهاتف اختار متى يبدأ ومتى يقطع، واختار أين يقف وعلى أي وجه يركز، واختار العنوان الذي كتبه فوق المقطع وهو عنوان يحكم عليك قبل المشاهدة، وهذا هو الحساء والتابوت الذي وضعه كوليشوف إلى جانب الوجه، ورجال القانون يسمون هذا «قرينة» تحتمل التفسير ونقيضه، ولا يرقونها إلى مرتبة الدليل القاطع إلا بعد أن يسمعوا الطرف الآخر ويطابقوا الأقوال ويسألوا من حضر، أما نحن فقد اختصرنا الطريق كله، اشتباه في الدقيقة الأولى، وإدانة في الثانية، وتنفيذ في الثالثة.

والفرق الذي لا ينتبه إليه أحد أن أحكام المحاكم تُستأنف وأحكام الناس لا تُستأنف، فالقاضي قد يبرّئ الرجل بعد سنة ويكتب ذلك في ورقة رسمية، لكن المقطع يبقى في الهواتف وفي نتائج البحث يلاحقه هو وأولاده كلما كتب أحد اسمه، وعليه نحتاج إلى تعويد أنفسنا على مسألة واحدة بسيطة، قبل أن تمتد أيدينا إلى زر النشر، وهي أن نسأل أنفسنا سؤالاً واحداً، ماذا كان قبل هذه الثلاثين ثانية؟ فإن لم نعرف الجواب فنحن لا نشاهد مقطعاً، نحن ننفذ حكماً لم نسمع فيه الطرف الآخر، وكل واحد منا يبعد ثلاثين ثانية عن أن يكون هو الوجه الذي يوضع إلى جانبه التابوت.

* عميد كلية القانون - الجامعة الخليجية