يمثل وضع المرأة في أي مجتمع معياراً أساسياً يوضح درجة تقدمه ومدى تفاعله مع معطيات العصر الحديث، بكل ما يحمله من قيم الديموقراطية واحترام المواطنة ودعم قضايا حقوق الإنسان.ويستمد كتاب «المرأة البحرينية في عهد حمد» ـ أحد أهم إصدارات المجلس الأعلى للمرأة ـ أجزائه البنيوية من المشــروع الإصلاحي لصاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة عاهل البلاد المفدى.ومن هذا المنطلق جاء الميثاق الوطني ودستور 2002، مقدمة إلى مشروعية حقوق المرأة، حيث أكدت تعديلات عام 2002 على دستور عام 1973، أهمية تحقيق مبدأ المساواة بين جميع المواطنين، دون أي تمييز بينهم في الحقوق والواجبات بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة، ما أدى لدعم دور المرأة التنموي وأضفى عليه المشروعية.وجاءت هذه التعديلات المنصوص عليها في دستور 2002، استجابة لحوار وطني شاركت فيه طوائف الشعب كافة، ودعا إليه جلالة الملك في 22 نوفمبر 2000 بصدور الأمر الأميري رقم (36)، الناص على تشكيل لجنة إعداد ميثاق العمل الوطني من 46 شخصية من رموز المجتمع، منهم ست سيدات هن الشيخة لولوة بنت محمد آل خليفة، الشيخة د.مريم بنت حسن بن علي آل خليفة، لولوة العوضي، د.بهية الجشي، فاطمة جواد، ود.ندى حفاظ.وكان للمشاركة النسائية دور كبير في اجتماعات اللجنة الواضعة للميثاق وطرحه للاستفتاء العام 14 و15 فبراير عام 2001، بينما أكد الإعلان الدعوة إليه حق الرجال والنساء البحرينيين البالغين من العمر 21 عاماً في المشاركة، ونال الميثاق موافقة 98,4% ممن لهم حق التصويت، وبلغت نسبة تصويت النساء 49% من إجمالي المشاركين، ما يعكس التفاعل الإيجابي للمرأة مع الدور الجديد الذي شكلت ملامحه المرحلة الجديدة بالمملكة.وعقب الموافقة الشعبية على الميثاق الوطني أصدر جلالة الملك في 24 فبراير 2001 المرسوم رقم «6» لسنة 2001 بإنشاء «لجنة تفعيل ميثاق العمل الوطني»، وتهدف إلى مراجعة جميع القوانين والتشريعات الوطنية واقتراح التعديلات والآليات اللازمة لتنفيذ مبادئ الميثاق، وتم تشكيل اللجنة بموجب قرار مجلس الوزراء رقم «15» لسنة 2001 وترأسها صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد، وضمت في عضويتها 16 عضواً منهم المحاميتان لولوة العوضي وجليلة السيد.وعقب عمل متواصل استمر نحو عام، صدر الدستور المعدل في 14 فبراير 2002، متضمناً الكثير من المبادئ الداعمة لدور المرأة في المجتمع بما لا يدع مجالاً لإغفاله أو تحجيمه.الضمانات الدستورية لحقوق المرأةأقر الدستور البحريني نصوصاً عامة تتعلق بالمساواة بين المواطنين أمام القانون في الحقوق والواجبات العامة، وبحماية الأمومة والأسرة، ثم أفرد بنوداً تنص على التزام الدولة بكفالة حقوق المرأة ومساواتها مع الرجل في مختلف الميادين، إضافة إلى نصوص نوعية تؤكد حق المرأة بالمشاركة السياسية، حيث جاء الدستور المعدل عام 2002 متضمناً نصاً نوعياً بإقرار حق المشاركة السياسية للمرأة والرجل، وهو الدستور العربي الوحيد المشتمل على مثل هذا الحكم.الحق في المساواةوتضمن الدستور البحريني المعدل لعام 2002، نصوصاً تقر صراحة مبدأ المساواة بين المواطنين، بغض النظر عن الجنس أو الأصل أو اللغة أو العقيدة، ما حقق اعترافاً مبدئياً بالتساوي النوعي بين مواطني المملكة، بما يدعم فكر المواطنة ومبادئ الديمقراطية، وبما يجعلهم سواسية أمام القانون سواء في الحقوق أو الواجبات.وتنص المادة «4» على أن «الحرية والمساواة والأمن والطمأنينة والعلم والتضامن الاجتماعي وتكافؤ الفرص بين المواطنين دعامات للمجتمع تكفلها الدولة»، بينما تنص المادة «18» «الناس سواسية في الكرامة الإنسانية، ويتساوى المواطنون لدى القانون في الحقوق والواجبات العامة لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة»، فضلاً عما تضمنته الفقرة «ب» من المادة «5» من المساواة الصريحة بين الرجال والنساء في جميع المجالات حيث تنص على «تكفل الدولة للمرأة مساواتها بالرجال في ميادين الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية دون إخلال بأحكام الشريعة الإسلامية»، وأقرت تلك المساواة الدستورية مبادئ المواطنة التي تجعل جميع من يحملون الجنسية البحرينية سواءً في ممارسة الحقوق والواجبات.وأسست هذه المواد مبدأ المساواة بين المواطنين بغض النظر عن النوع، وشكلت أساساً تنطلق منه قرارات وقوانين الدولة، وبما يحمل من تأثيرات مباشرة وغير مباشرة على حصول المرأة البحرينية على حقوقها.وأقر القانون مبدأ المساواة بين المواطنين بما يتجاوز أي تمييز قائم على الفروق النوعية، وبما يرسي دعائم المواطنة ويرسخ لممارسة ديمقراطية أصيلة تعد إطاراً أعم وأشمل لنيل المرأة حقوقها، سواء بشكل مباشر عبر الاعتراف بتلك الحقوق وتمكينها من الحصول عليها أو توفير المناخ الملائم لنيلها.وراعى الدستور مبادئ الشريعة الإسلامية كأساس لتحقيق المساواة بين النساء والرجال، وهو ما يرسخ حقيقتين مهمتين الأولى أهمية تحقيق الموازنة بين الثوابت الدينية والثقافية للمجتمع من ناحية، وحصول المرأة على حقوقها من ناحية أخرى، بما يحقق أعلى درجة القبول الاجتماعي لنيلها تلك الحقوق والثانية تتمثل بوعي القيادة السياسية بالقيم الإسلامية السمحة بمراعاتها إنسانية المرأة وحفظ حقوقها وضرورة الفصل بين ما أرسته العادات الاجتماعية وما تضمنته الشريعة من أحكام، وعدم التعارض بين حصول المرأة على حقوقها والنهج الإسلامي.الاعتراف بمبدأ تكافؤ الفرص، بما يضع أساساً لاعتماد الكفاءة معياراً أولياً ورئيساً في ممارسة الحقوق والحصول على المزايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.واشتملت المساواة المقررة بموجب الدستور على الحقوق والوجبات معاً، بما يدفع بالمرأة للمشاركة بفعالية في الشؤون العامة على اختلافها في إطار احترامها لما عليها إزاء المجتمع الذي يحترم هو الآخر ما لها.واعتبر الدستور أن الكرامة الإنسانية توجب بالمساواة بين الناس على اختلافهم وتنوعهم، ما يعني أن كرامة الرجل في أن يحترم إنسانية المرأة وبالعكس.وجعل الدستور من القانون حكماً ومرجعاً يتم تنفيذه وفق مؤسسات القضاء بما يضمن العدالة والمساواة بين الرجل والمرأة، وجمع بين ثلاثية الحرية والمساواة والأمن، باعتبارها أركاناً متكاملة يفتقد كل منها جدواه في حال غياب الآخر، فلا معنى للمساواة بين الرجل والمرأة في ظل مجتمع لا يعترف بحريتهما في الممارسة أو لا يحيا مواطنوه في أمان يضمن لهم واقعاً يمارسون فيه حريتهم المتجاوزة لفروع النوع. ومنح الدستور ما أقره من مبادئ كأساس للحكم، حصانة ضد أي تغيير أو تعديل، إذ نصت الفقرة «ج» من المادة «120» على أنه «لا يجوز اقتراح تعديل نظام المجلسين ومبادئ الحرية والمساواة المقررة في هذا الدستور».حق المشاركة السياسيةلم يمنح الدستور البحريني لعام 1973 المرأة حق المشاركة السياسية، إذ تم تفسير المبادئ الخاصة بالمساواة بين المواطنين باعتبارها قاصرة على الرجال فقط، بما حرم المرأة من مباشرة حقوقها السياسية انتخاباً وترشحاً، وهي حقوق حصلت عليها في الدستور المعدل لعام 2002، حيث تنص الفقرة «ه» من المادة رقم «1» على «للمواطنين رجالاً ونساءً حق المشاركة في الشؤون العامة والتمتع بالحقوق السياسية بما فيها حق الانتخاب والترشح، وفقاً لهذا الدستور وللشروط والأوضاع التي يبينها القانون، ولا يجوز أن يحرم أحد من المواطنين من حق الانتخاب أو الترشح إلا وفقاً للقانون».وتضمنت المادة نصاً صريحاً ومباشراً يقر حق المرأة في المشاركة في الفعاليات العامة ومنها الفعاليات السياسية، ويمكن الكشف عن أهمية ذلك النص بالنظر إلى اعتبارين مهمين، الأول أن الدستور لم يقصر حق المشاركة الانتخابية للمرأة على حق التصويت، وإنما منحها حق الترشح سواء لعضوية المجلس النيابي أو المجالس البلدية، بما يحمله ذلك من تبعات لجهة قدرتها على طرح ومناقشة مشروعات القوانين، وممارسة الأدوار الرقابية على السلطة التنفيذية، والاضطلاع بعمليات التخطيط المحلي.ويتمثل الاعتبار الثاني في إقرار الدستور لحق المرأة في التمتع بالحقوق السياسية بصورة عامة، بما يعني عدم الاقتصار على الحقوق الانتخابية، وإنما يمتد ليشمل حقها في المعرفة السياسية والاعتصام والتظاهر والمشاركة في الجمعيات السياسية، وغيرها من الحقوق الداخلة ضمن إطار الحق السياسي.الحق في العملوأقر الدستور حق العمل والمشاركة في الأنشطة الاقتصادية لجميع مواطني البحرين دون تمييز، بما يتيح للمرأة فرصة المشاركة في العملية الإنتاجية داخل المجتمع، حيث تنص الفقرة «ب» من المادة «16» على «المواطنين سواء في تولي الوظائف العامة وفقاً لشروط يقرها القانون» وهو ما حددت شروطه وضوابطه المادة «13» من الدستور وتنص على «العمل واجب على كل مواطن تقتضيه الكرامة ويستجوبه الخير العام ولكل مواطن الحق في العمل وفي اختيار نوعه وفقاً للنظام العام والآداب، وتتكفل الدولة بتوفير فرص العمل للمواطنين وعدالة شروطه، ولا يجوز فرض عمل إجباري على أحد إلا في الأحوال التي يعينها القانون لضرورة قومية وبمقابل عادل أو تنفيذاً لحكم قضائي، وينظم القانون على أسس اقتصادية مع مراعاة قواعد العدالة الاجتماعية والعلاقة بين العمال وأصحاب الأعمال». وبذلك يقر الدستور لجميع المواطنين رجالاً ونساءً حق المشاركة الاقتصادية كعاملين أو أصحاب أعمال، في إطار من مساواة قانونية كاملة تراعي الأسس الديمقراطية وقواعد العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان في اختيار العمل الذي يلائمه ويتناسب مع مهارته دون تقييد.ولم يغفل الدستور الواجبات الاجتماعية والأسرية للمرأة كأم وزوجة، وأهمية توفير ضمانات تتيح لها الموازنة بين واجباتها إزاء الأسرة وعملها، بما يتجاوز عائقاً غير مباشر طالما حال دون نزول المرأة ميدان العمل. حق التعليم ونصت المادة «7» من الدستور على «ترعى الدولة العلوم والآداب والفنون وتشجع البحث العلمي، كما تكفل الخدمات التعليمية والثقافية للمواطنين ويكون التعليم إلزامياً ومجانياً في المراحل الأولى التي يعينها القانون، وعلى نحو يبين فيه ويضع القانون الخطة اللازمة للقضاء على الأمية. وينظم القانون أوجه العناية بالتربية الدينية والوطنية في مختلف مراحل التعليم وأنواعه، ويعنى فيها جميعاً بتقوية شخصية المواطن واعتزازه بعروبته.ويجوز للأفراد والهيئات إنشاء المدارس والجامعات الخاصة بإشراف من الدولة ووفقاً للقانون، وتكفل الدولة لدور العلم حرمتها».وبالنظر إلى ما تضمنته هذه المادة، نجد أن الدستور أقر حق التعليم لكل مواطني المملكة دون استثناء أو تمييز، امتداداً لمبدأ المساواة المعتمد أساساً لجميع الحقوق السياسية والاقتصادية.
970x90
970x90