في زمنٍ تتسارع فيه التقنيات، وتتشابك فيه المؤثرات، لم يعد التعليم ترفاً معرفياً، بل أصبح خط الدفاع الأول عن وعي الإنسان وهويته، ولم تعد التربية شأناً هامشياً يُؤجَّل، بل جوهراً تُبنى عليه الأوطان، أو تتآكل من داخله إن أُهملت.
إن التربية والتعليم اليوم يقفان عند مفترق طرق؛ إما أن يكونا جسراً يعبر بنا نحو المستقبل بثبات وثقة، أو يتحولا -لا قدّر الله- إلى قوالب جامدة تُفرغ الإنسان من جوهره، وتنتج معرفة بلا روح.
نريده تعليماً يوقظ العقول لا يكدّس المعلومات، ويُنمّي السؤال قبل الجواب، ويصنع من الطالب إنساناً مفكراً، لا حافظاً عابراً للنصوص.
نريده تعليماً يزرع القيم كما يزرع المعارف، لأن العلم بلا أخلاق سلاحٌ أعمى، ولأن التربية هي التي تُهذّب القوة، وتمنحها الاتجاه الصحيح.
وإن أردنا الحديث بصدق، فلا يمكن أن نغفل المعلم، ذلك الذي يحمل بين يديه أعماراً صغيرة، وأحلاماً كبيرة، ومستقبل أمة بأكملها.
المعلم ليس ناقل منهج، بل صانع أثر، وكل كلمة منه قد تكون باباً يُفتح في عقل طالب، أو جداراً يُغلق إن قيلت بغير وعي.
إن تمكين المعلم، وتقدير دوره، وتطوير أدواته، ليس خياراً ثانوياً، بل ضرورة وطنية واستثمار طويل الأمد.
ولا يمكن للتعليم أن ينهض وحده دون شراكة حقيقية بين المدرسة والأسرة والمجتمع، فالتربية لا تبدأ عند باب المدرسة، ولا تنتهي عند جرس الحصة، بل هي نسيج متكامل، إذا اختلّ خيط منه، اهتزّ البناء كله.
إننا اليوم لا نُربّي أبناءنا ليجتازوا اختبارات، بل لنواجه بهم عالماً متغيراً.
نُعدّهم ليكونوا قادرين على التفكير، ثابتين في القيم، مرنين في التكيف، أقوياء في الأخلاق.
فالتعليم الذي لا يصنع إنساناً واعياً، ولا يزرع الانتماء، ولا يحرّك الضمير.. هو تعليم يُجيد العدّ، لكنه لا يُجيد البناء.
إن الاستثمار الحقيقي ليس في المباني ولا في المناهج وحدها، بل في الإنسان، وفي عقل يُحسن التفكير، وقلب يعرف القيم، وضمير لا يساوم.
فبالتربية ننهض، وبالتعليم الواعي نكتب مستقبلاً يليق بنا..
مستقبلاً يبدأ من الفصل، لكنه لا يتوقف عنده.
مستشار تربوي