- - ثالوث «البيانات، التحليل، والاستشراف» سيحدد من يملك زمام المبادرة بالقرن الـ 21
- - البيانات بلغت 180 زيتابايت في 2025 ويتوقع تضاعفها لـ 400 زيتابايت 2028
- - مراكز الفكر الصينية تحلل قوانين وبيانات 150 دولة ضمن طريق الحرير
- - البيانات بلغت 180 زيتابايت في 2025 ويتوقع تضاعفها لـ 400 زيتابايت 2028
- - الذكاء الاصطناعي ليس مجرد «خيار تقني»، بل هو ضرورة استراتيجية لمراكز الفكر
- - مندوبية «تآزر» بموريتانيا حولت السجل الاجتماعي إلى «عقل رقمي» يوجه موارد الدولة
«بإمكان مراكز الفكر رسم «خارطة مخاطر لحظية» لا يمكن لجيش من البشر بناؤها في شهور، واختياري الدراسة في الصين بدلاً من فرنسا لكي أفتح بوابة شرقية من علوم المستقبل، كشفت لي «النفط الجديد وهي البيانات التي تعد المادة الخام لبناء السياسات القائمة على الأدلة واليقين وتوجيه دفة القرارات نحو التنمية والمستقبل».
بهذه الكلمات يبدأ المستشار المكلف بالتعاون الدولي وزارة التعليم العالي والبحث العلمي الجمهورية الإسلامية الموريتانية، د. يربان الخراشي، لقاءه الخاص والثري مع «الوطن»، وذلك على هامش مشاركته، مؤخراً في المنتدى السنوي السابع لمركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة «دراسات» تحت عنوان «مَجْمَع مراكز البحوث العربية للاستدامة والتنمية»، والذي عقد يومي 22 و23 ديسمبر الماضي، بالشراكة مع الأمانة العامة لجامعة الدول العربية.
وأشار الباحث العربي الموريتاني إلى أنه «في مراكز الفكر الكبرى، لم يعد الباحث يغرق في أطنان الورق؛ بل يعتمد على «منصات المعرفة الجيوسياسية والاقتصادية الضخمة. فمثلا تستخدم بعض مراكز الفكر والدراسات الصينية خاصة ذات الطبيعة الاستشارية الذكاء الاصطناعي لمسح وتحليل قوانين وبيانات حوالي 150 دولة الموقعة على مبادرة الحزام والطريق» داعياً إلى تحول مراكز الفكر العربي إلى استشراف قائم على ثالوث «البيانات، التحليل، والاستشراف». وحول واقع مراكز الفكر العربية، وما يمكن أن تستفيده من نظائرها في الغرب والشرق لكي توجه دفة القرارات بما يخدم التنمية والمستقبل العربي.. كان لـ»الوطن» هذا اللقاء:
- كيف ترى أداء مراكز الفكر العربية بالمقارنة مع نظيرتها في الدول الأجنبية؟
لم تعد التغيرات السريعة والعميقة على أكثر من صعيد مجرد احتمال، بل هي الثابت الوحيد في عالم يمر بمخاض عسير لميلاد نظام متعدد الأقطاب. في هذه الساحة الدولية المعقدة، ولم يعد «السلام» التقليدي الذي عرفناه بعد الحرب العالمية الثانية موجوداً، مما يفرض علينا تساؤلاً جوهرياً: كيف نجد لأمتنا ولدولنا موطئ قدم في هذا العالم الجديد؟
إن الإجابة تكمن في تعزيز دور مراكز الفكر Think Tanks عبر الثالوث السيادي والاستراتيجي ألا وهو البيانات، التحليل، والاستشراف. الثالوث الذي سيحدد من يملك زمام المبادرة في القرن الحادي والعشرين، و العلاقة بينه هي علاقة عضوية؛ فالبيانات هي الوقود، والتحليل هو لمحرك، أما الاستشراف فهو المصباح الذي ينير لنا الطريق في عتمة المستقبل.
- كيف يمكن قياس أهمية البيانات بالنسبة لصانع القرار؟ وكيف يمكن أن تكون مراكز الفكر هي الأساس في توجيه دفة القرارات بالدول؟
نحن نعيش في عصر لم تعد فيه البيانات مجرد أرقام، بل هي «النفط الجديد» والمادة الخامة لبناء السياسات القائمة على الأدلة و اليقين.
هذه «المادة الخام» تنمو بسرعة مذهلة، حيث تكشف أرقام شركة IBM عن تطور خيالي في حجم البيانات عالمياً: فالبيانات المولدة عالميا التي كانت في عام 2010 لا تتجاوز 2 زيتابايت، قفزت لتصل اليوم في عام 2025 إلى قرابة 180 زيتابايت، ويتوقع تضاعفها إلى 400 زيتابايت بحلول 2028.
هذا التراكم الهائل أدى إلى تسارع مذهل في وتيرة حجم المعرفة البشرية؛ فبينما كان حجم المعرفة يتضاعف كل 100 عام «قبل عام 1900»، وكل 25 عاماً (بعد الحرب العالمية الثانية 1945)، أصبح الآن يتضاعف كل 12 ساعة فقط!
نحن أمام تحول إلى مجتمع المعلومات، مما يضع مراكز الفكر في عالمنا العربي أمام مسؤولية تاريخية، فالأدوات التقليدية للتحليل لم تعد كافية بل ولا قادرة على مواكبة انفجار المعلومات، والأخطر أن هذا التحول العميق يضعنا أمام وجه جديد من وجوه الهيمنة، وهو ما يمكن تسميته بـ «الاستعمار الرقمي»؛ حيث تسعى القوى التكنولوجية الكبرى لاحتكار البيانات وفرض خوارزمياتها كقدرٍ محتوم من أجل رفع هذا التحدي لا بد من امتلاك أدوات المستقبل، لابد من بناء مراكز فكر ومراكز دراسات ذكية ومرنة تستخدم ذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة المحلية في التحليل، والاستشراف.
- بحسب دراستك في الصين وما تابعته هناك.. ما الذي ينقص الدول كي ترتقي وتتقدم كما حدث في بكين؟
الصين نموذج ملهم، ففي مراكز الفكر الكبرى، لم يعد الباحث يغرق في أطنان الورق؛ بل يعتمد على «منصات المعرفة الجيوسياسية والاقتصادية الضخمة.
فمثلا تستخدم بعض مراكز الفكر والدراسات الصينية خاصة ذات الطبيعة الاستشارية الذكاء الاصطناعي لمسح وتحليل قوانين وبيانات حوالي 150 دولة الموقعة على مبادرة الحزام والطريق «خاصة الـ 65 بلداً التي تقع على طول نطاق طريق الحرير القديم، والتي تضم 25 بلداً مسلماً منضوياً تحت سقف منظمة التعاون الإسلامي من بينها 12 دولة عربية» لتقدم لصانع القرار الصيني «خارطة مخاطر لحظية» لا يمكن لجيش من البشر بناؤها في شهور. وهناك أمثلة أخرى صينية جيدة حول استخدام ما يسمى بـ «مختبرات محاكاة السياسات» في مجالات عدة من السياسات الحضرية إلى التجارة الخارجية هذه المحاكاة التي تعتمد على التوأمة الرقمية تختبر السياسات افتراضيا قبل تطبيقها لذلك الذكاء الاصطناعي ليس مجرد «خيار تقني»، بل هو ضرورة استراتيجية لتحويل مراكز الفكر من مرحلة «التحليل المحدود» القائم على الخبرة إلى «الاستشراف اللامحدود» القائم على البيانات الضخمة.
- وهل تطبق موريتانيا هذه السياسات في إدارة ملفات الدولة، وكيف يتم ذلك؟
في الجمهورية الإسلامية الموريتانية، أدركنا أن التنمية ترتكز على دعامتين: إرادة سياسية رشيدة، وأساس معرفي صلب، مما زاد من الاعتراف بالدور المحوري الذي تلعبه مراكز الفكر والدراسات الاستراتيجية كجسر حيوي يربط بين نتاج البحث العلمي وعملية صنع القرار الوطني، وجعلها شريكاً فعالاً في تحقيق الأهداف الاستراتيجية للدولة، في ملف الطاقة، على سبيل المثال، قدمت هذه المراكز تحليلات استباقية حذرت من «انعكاسات سياسية واقتصادية كبرى» لاكتشافات الغاز، واستغلاله خاصة حقل «آحميم». الذي بدأ تصدير الغاز منه مطلع العام. وفي مجال التعليم لعبت بعض المراكز المتخصصة دوراً هاماً في تحفيز النقاش الأكاديمي، مما ساهم في إصلاح النظام التعليمي وإطلاق المدرسة الجمهورية 2020.
- ما هي التجارب الناجحة في موريتانيا والتي يمكن استنساخها في الدول العربية والإسلامية؟
تعد تجربة المندوبية العامة للتضامن الوطني ومكافحة الإقصاء «التآزر» من خلال السجل الاجتماعي نموذجاً حياً يحتذى به لـ «أنسنة التقنية»، فالتجربة تجسد بوضوح كيف تتحول البيانات إلى أداة لتحقيق للعدالة الاجتماعية.
لقد تحول السجل الاجتماعي إلى «عقل رقمي» يوجه موارد الدولة بدقة للفئات الأكثر استحقاقاً؛ مما سمح بمنح التأمين الصحي لـ 100 ألف أسرة، وتوجيه التحويلات النقدية لأكثر من 137 ألف أسرة متعففة وتقديم منح دراسية لحوالي 3500 طالب جامعي من أبناء هذه الأسر، إيماناً منا بأن التعليم وحده قادر على كسر حلقة الفقر المدقع.
هذه الأرقام «137 ألف أسرة أي أكثر من 800 ألف نسمة» ليست مجرد إحصاء، بل هي «وجوه حقيقية» ستتغير حياتها بفضل دقة البيانات و هذا هو المعنى الحقيقي لـ «أنسنة التقنية» أن تكون أداة في خدمة الإنسان الضعيف لتمكينه اقتصادياً وتعليمياً لا أن تكون وبالاً عليه.- ما هي نصيحتك للدول العربية بشأن أهمية البحث العلمي والنتاج الفكري؟
في عالمنا العربي هناك أسواق لكل شي لكن لا توجد سوق للأفكار، يجب أن نسعى إلى بناء قطبنا المعرفي الرحم الذي سيحتضن نمو وتطر مراكز فكر عربية حديثة وذكية تصنع لنا نفوذاً استشرافياً يخدم مصالحنا وأمننا القومي. مراكز الفكر هي غرف عمليات سيادية لا غنى عنها في القرن الحادي والعشرين.
- كلمة أخيرة ونصيحة لمنطقة الشرق الأوسط
إن قوة الأمم اليوم لا تُقاس بما تملكه في باطن أرضها فحسب، بل بما تنتجه مراكز فكرها من بصيرة استراتيجية استشرافية قائمة على الثالوث «البيانات، التحليل، والاستشراف»، و ما شهدناه في عام 2025 من بزوغ نجم شركة DeepSeek الصينية، ليس مجرد تطور تقني، بل هو رسالة أمل لدولنا. لقد أثبتت الصين أن الابتكار لا يتطلب ميزانيات فلكية، بل يتطلب عقولاً ذكية وإرادة صلبة.