حنان الخلفان

لفت انتباهي مقطع فيديو متداول في إحدى منصات التواصل الاجتماعي لامرأة أجنبية، استلهمت كتابها من تجربتها العملية في رعاية كبار السن، حيث رصدت أكثر ما يندم عليه الإنسان في لحظاته الأخيرة. لم تكن تتحدث عن المال ولا عن المناصب، بل عن الإنسان حين يقترب من النهاية ويكتشف أنه عاش أياماً طويلة وهو يؤجل نفسه، ويصمت حين كان يجب أن يتكلم، ويبقى حيث كان ينبغي أن يرحل. وربما لا تحتاج حياتنا إلى قرار كبير بقدر ما تحتاج إلى لحظة وعي واحدة تُخبرنا متى نتخلى.

تقول صاحبة الكتاب إن أكثر ما سمعته تكراراً من الناس قبل رحيلهم لم يكن متعلقاً بما فقدوه، بل بما تنازلوا عنه. وأكثر ندم تكرر كان بسيطاً ومؤلماً: «ليتني عشت حياة تشبهني، لا حياة عشتها لإرضاء توقعات الآخرين». جملة واحدة كفيلة بأن تعيد ترتيب كل شيء في الداخل، لأن بعضنا لا يضيع بسبب الخسارة بل يضيع بسبب التنازل المتكرر عن ذاته، حتى تصبح الحياة نسخة باهتة لا تشبهه.

ومن هنا فهمت أن التخلي ليس كلمة قاسية كما تبدو، بل قد يكون رحمة ونجاة وشجاعة متأخرة. نؤجل التخلي أحياناً لأننا اعتدنا ثقل الأشياء، لا لأننا نحبها؛ فنضحك أقل، ونثق أقل، ونتألم بصمت حتى يصبح الألم جزءاً منا. والتخلي لا يكون عن الأشخاص وحدهم، بل عن عادات تُتعبنا بصمت وتسرق منّا الحياة «بالتقسيط»، ومع ذلك يبقى القرار في مجتمعاتنا أصعب مما يبدو، لأننا لا نخاف التخلي بقدر ما نخاف تفسيره. نخشى «الناس ماذا ستقول؟» ونبقى أحياناً لأننا لا نريد كسر خاطر أحد، وننسى أننا نحن الذين انكسرنا بصمت.

لكن ما الذي يجعل التخلي صعباً إلى هذا الحد؟ ليس الفقد وحده، بل الفراغ الذي يأتي بعده. نخاف المساحة الجديدة، نخاف الوحدة، ونخاف أن نكتشف أننا بقينا طويلاً في مكان لا يناسبنا. والأصعب أن التخلي لا يختبر قوتنا في لحظة الرحيل فقط، بل فيما بعدها: في الحنين، وفي الذنب، وفي لحظات الضعف التي تهمس لنا بأن العودة أسهل، حتى لو كانت العودة إلى نفس الجرح. وهنا تكمن حكمة التخلي: أن تميّز بين ما تريده وما اعتدت عليه؛ فليس كل مألوفٍ آمناً، وليس كل ما اعتدناه يستحق أن نبقى لأجله. لذلك فإن التخلي الناضج لا يأتي بضجيج بل بهدوء، حين تقول لنفسك: هذا لا يشبهني، وهذا لا يليق بسلامي. ثم تمضي، لأن التخلي ليس عقوبة للآخرين التخلي إنقاذ لك أنت.

وربما لهذا جاء التحذير القرآني من أثر الصحبة الثقيلة، حين يصل الإنسان إلى لحظة يرى فيها الحقيقة متأخراً، فيقول: (يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلاً) سورة الفرقان: 28. ليست الآية مجرد قصة، بل مرآة لندم إنساني يتكرر حين نكتشف أن بعض القرب لم يكن أماناً، بل استنزافاً.وبصراحة.. ليس كل من يغادر حياتك خسارة، وليس كل من يبقى مكسباً. أحياناً يكون التخلي أول قرار شجاع تتخذه لتعود إليك. لأننا في النهاية لن نندم على الأشياء التي تركناها... سنندم على المرات التي بقينا فيها رغم أننا كنا نعرف أن البقاء يكسرنا.

وربما كل ما تحتاجه لتبدأ ليس معجزة، بل لحظة صدق واحدة. قد تكون جملة سمعتها مصادفة، أو موقفاً أيقظك، أو حتى مقطع فيديو عابر، لكنه يلامس مكاناً حساساً فيك ويقول لك: إن الوقت لا ينتظر، وإن الحياة أقصر من أن تُعاش على الهامش. لذلك لا تستهن بالإشارات الصغيرة، فقد تشاهد مقطع فيديو واحداً يغيّر حياتك للأبد، لا لأنه يحمل سحراً، بل لأنه يوقظ فيك شجاعة التخلي، عن كل ما جعلك تعتاد الألم وكأنه قدر، وتنسى أنك خُلقت لتعيش، لا لتتحمل فقط.