م.صبا العصفور

نسي أحمد قلمه على طاولة المكتب، وعاد بعد الاستراحة ليجده عند زميله سامي، ابتسم سامي قائلاً: «أوه، وجدته على الأرض، احتفظت به حتى لا يضيع»، لكن أحمد ردّ بحدّة: «طبعاً لا يضيع وجيب سامي مفتوح!

هكذا، بكلمة قاطعة، تحوّلت مبادرة بسيطة لحفظ القلم إلى اتهام صريح بالسرقة، وكأن الأصل في العلاقة هو سوء الظن لا المودة.

لماذا؟ وكيف يصل الإنسان إلى درجة الجزم بسوء نيّة الآخر؟ هل اطّلع على الغيب؟ أم وحياً أخبره بها؟ أم تجارب الخذلان السابقة أصبحت عدسة سوداء يرى بها كل المواقف والأشخاص؟

الأصل في العلاقات أن الإنسان بريء حتى تثبت إدانته، لكن ما يحدث كثيراً هو العكس، أصبحنا نتعامل مع الآخرين وكأنهم متهمون حتى يثبتوا براءتهم، وإن ثبتت، تبقى الشكوك تلاحقهم.

لماذا صارت كلماتنا في لحظة انفعال، جارحة وقاطعة لجسور المودة والمعروف؟

الكلمة، حين تخرج، تحمل معها أثراً لا يزول سريعاً، قد تعتذر، وقد يغفر الآخر، لكن في زاوية من الذاكرة يبقى طعمها المرّ.

نعم، لكلٍّ منا تجارب مرّة وقاسية، فيها خيبات أمل وثقة تمت خيانتها من أحد، لكن هذه التجارب، مهما كانت موجعة، ليست كل الحكاية، في المقابل، هناك مواقف كثيرة تمت إحاطتنا فيها بالدعم والوفاء والحب، لكنها لا تجد المساحة ذاتها في ذاكرتنا، الحكمة تقتضي أن نحوّل تجاربنا القاسية إلى دروس حبّ، وبلسم شفاء، وجسور وصل، لا أن نصنع منها جدران عزلة وأنفاق هجر.

«الجنة من غير ناس ما تنداس» مثل شعبي يلخّص حقيقة بسيطة أن جمال الحياة لا يكتمل إلّا بالصحبة الطيبة والقلوب المتآلفة، حتى أجمل الأماكن تفقد بريقها إن غابت عنها الألفة.

فالإنسان بطبيعته كائن اجتماعي، يحتاج إلى شبكة علاقات تتغذى على الاحترام المتبادل وقبول الآخر، وإن شابت العلاقات شائبة، فإن مسافة الأمان تكفي لحفظ الود واستمرار التعايش.