حنان الخلفان

خرجتُ إلى الشارع الأسبوع الماضي وأنا مهيأة نفسياً للمشهد المعتاد: تجاوزات مفاجئة، إشارات جانبية تُستخدم عند الضرورة فقط، وحزام أمان يُربط في اللحظة الأخيرة إذا ظهرت دورية أو لمحت عين سائق ما شيئاً يشبه الكاميرا. لكن ما رأيته هذه المرة جعلني أبطئ القيادة، لا التزاماً بالسرعة فقط، بل دهشةً مما يدور حولي. الشارع هادئ، السيارات متباعدة، والسائقون يقودون وكأن الطريق يراقبهم... أو كأنهم قرروا فجأة احترامه.

الجميع يربط حزام الأمان منذ اللحظة الأولى. لا تذكير متأخراً، ولا كلمة “بس دقيقة”. الراكب يذكر السائق، والسائق ينظر في المرآة ليتأكد أن الجميع جاهز للانطلاق. أما أحباب الله، الذين اعتدنا رؤيتهم في المقاعد الأمامية وكأنهم جزء من لوحة القيادة، فقد اختفوا تماماً، وعادوا إلى الخلف حيث يجب أن يكونوا، بأمان وهدوء، وكأن قراراً غير معلن صدر في ليلة واحدة: الطفولة للخلف... والقانون للأمام.

الإشارات الجانبية تعمل. نعم، تعمل وبلا استثناء يُذكر. يمين بإشارة، يسار بإشارة، وحتى عند المواقف. مشهد يجعلك تتساءل إن كنت فعلًا تقود في البحرين أم في شارع جانبي في سويسرا، حيث الإشارة ليست اقتراحاً، وحزام الأمان ليس خياراً، والقانون لا يُناقش ولا يُجرب... بل يُطبَّق.

الأكثر لفتاً للنظر أن هذا الالتزام لم يقتصر على سيارات بعينها. السيارات الخليجية تحديداً، التي كانت حتى وقت قريب تقود بثقة زائدة وكأن الطريق يعرفها شخصياً، أصبحت فجأة مثالاً في الانضباط. مسافة أمان محسوبة، توقف كامل عند الإشارة، وهدوء غير معتاد. التزام مبالغ في هدوئه، لا يوحي بأننا تغيّرنا فجأة، بقدر ما يؤكد أن المخالفة قررت أخيراً أن تتكلم لغة يفهمها الجميع.

حتى سائق «شوماخر الفريج»، الذي اعتاد التنقل بين المسارات وكأنه في سباق مفتوح، بدا وكأنه أخذ إجازة طويلة، تاركاً الطريق لسائق متزن يعرف أن الرادار لا يبتسم، وأن الكاميرا لا تنسى. التهور هدأ، السرعة انخفضت، وسباقات الشوارع غير المعلنة اختفت، وكأن الجميع أعاد حساباته بهدوء.

اللافت أن كل هذا لم يأتِ بعد حملة توعوية مطوّلة، ولا فيديو مؤثر، ولا خطابات عن السلامة المرورية. جاء ببساطة عندما قرر القانون أن يكون حاضراً، واضحاً، وحازماً. وعندها فقط، اكتشفنا أننا نعرف النظام جيداً، ونعرف السواقة الصحيحة، لكننا كنا نؤجل الالتزام إلى أن تصبح كلفة التجاهل أعلى من كلفة الاحترام.

اليوم، وأنت تقود في شوارع البحرين، تشعر أن الطريق استعاد هيبته، وأن السواقة عادت إلى معناها الطبيعي: احترام، انتباه، ومسؤولية. لم يعد الالتزام مشهداً نادراً يُحتفى به، بل حالة عامة فرضت نفسها، وغيّرت سلوكاً كان يُعتقد أنه لا يتغيّر، نتيجة عمل جاد أعاد للشارع قيمته، وللنظام حضوره.

وبصراحة...عندما يُدار الطريق بهذه الجدية، نكتشف أننا لسنا بحاجة إلى تغيير السائق بقدر ما نحن بحاجة إلى نظام لا يساوم. ما نراه اليوم على شوارع البحرين يؤكد أن الحزم يصنع وعياً، وأن تطبيق القانون بعدالة يحوّل الالتزام من خوف مؤقت إلى سلوك عام. ولهذا، تستحق وزارة الداخلية والإدارة العامة للمرور كل الإشادة والتقدير، لأنهما أثبتتا أن السلامة لا تُطلب بالكلام، بل تُصنع بالقرار... وأن الطريق، عندما يُحترم، يحمي الجميع قبل أن تضيء الإشارة الخضراء.