يُعدّ الاستماع للأطفال بهدوء واهتمام من أهم أسس التربية السليمة، فهو ليس مجرد فعل عابر، بل رسالة عميقة يشعر من خلالها الطفل بقيمته وأهميته داخل الأسرة والمجتمع. فالطفل الذي يجد من ينصت له دون مقاطعة أو تهوين، ينمو وهو أكثر أماناً وثقة بنفسه وبمن حوله.
إن الاستماع الهادئ يفتح الباب أمام الطفل للتعبير عن مشاعره ومخاوفه وتساؤلاته، خاصة في الأزمات التي قد يمر بها، سواء كانت مشكلات مدرسية، أو ضغوط نفسية، أو صراعات داخلية لا يعرف كيف يفسرها. وعندما يجد الطفل أذناً صاغية وقلباً متفهماً، يشعر أن مشكلاته ليست عبئاً، وأن الحديث عنها هو بداية الحل لا سببًا للعقاب.
وتكمن أهمية الاستماع في أنه يساعد الكبار على فهم ما وراء السلوكيات الظاهرة؛ فالغضب، أو العناد، أو الانطواء غالبًا ما تكون رسائل غير مباشرة لقلق أو خوف أو احتياج لم يُلبَّ. ومع الحوار الهادئ، يستطيع الوالدان أو المربون اكتشاف جذور المشكلة، والتعامل معها بحكمة قبل أن تتفاقم.
أما الثقة، فهي ثمرة هذا الاستماع الواعي فحين يشعر الطفل أن حديثه يُقابل بالاحترام، وأن أسراره لا تُستغل ضده، وأن مشاعره لا تُسخر منها، تتكوّن بينه وبين الكبار علاقة قائمة على الأمان. هذه الثقة تشجعه على مشاركة ما يقلقه في المستقبل، بدلًا من كتمانه أو البحث عن حلول خاطئة بعيدًا عن الأسرة.
كيف يمكن بناء الثقة مع الأطفال؟الإنصات دون مقاطعة أي ترك الطفل يُكمل حديثه حتى النهاية، دون استعجال أو إصدار أحكام مسبقة.
وكذلك التفاعل الهادئ أي استخدام لغة جسد مطمئنة ونبرة صوت هادئة تشعر الطفل بالأمان.
واحترام المشاعر عن طريق عدم التقليل من خوف الطفل أو حزنه، حتى لو بدا بسيطًا في نظر الكبار.
كذلك الصدق والوضوح والإجابة عن أسئلة الطفل بصدق يتناسب مع عمره وقدرته على الفهم.
أيضا من الضروري الترگيز على الدعم لا العقاب، والتركيز على الحل والمساندة بدلًا من اللوم والتوبيخ.
فإن الطفل الذي يُستمع إليه اليوم، يصبح شابًا قادرًا على التعبير عن نفسه غدًا، واثقًا في قراراته، ومتوازنًا نفسيًا. ومن هذا يتضح إن دقائق من الاستماع الهادئ قد تنقذ طفلًا من قلق طويل، وتبني إنسانًا سويًا يشعر أن صوته مسموع وأن وجوده مُقدّر.
وفي المقابل إن تجاهل حديث الأطفال أو التقليل من مشاعرهم، فضلاً عن تعنيفهم لفظياً أو نفسياً، يترك آثاراً عميقة قد لا تظهر فوراً، لكنها تتراكم مع الوقت وتؤثر في تكوين شخصيتهم واستقرارهم النفسي. فالطفل الذي لا يجد من يستمع إليه، يشعر بالعزلة وفقدان الأمان، ويبدأ في الاعتقاد أن مشاعره غير مهمة أو غير جديرة بالاهتمام.
ويؤدي عدم الاستماع إلى كبت مشاعر القلق والخوف داخل الطفل، ما قد ينعكس في صورة سلوكيات سلبية مثل العدوانية، أو الانسحاب الاجتماعي، أو ضعف الثقة بالنفس. وفي بعض الحالات، يلجأ الطفل إلى الصمت الدائم، أو الكذب، أو إخفاء مشكلاته خوفاً من اللوم أو العقاب، مما يزيد من تعقيد الأزمات التي يمر بها.
أما التعنيف، سواء كان لفظياً بالسخرية والتوبيخ الجارح، أو نفسياً بالتهديد والتقليل من الشأن، فيُعد من أخطر الممارسات التربوية. فهو يهدم العلاقة بين الطفل وذويه، ويزرع داخله شعوراً بالخوف بدلاً من الطمأنينة، وقد يجعله أكثر عرضة للقلق والاكتئاب واضطرابات السلوك. كما أن الطفل المعنَّف قد ينقل هذا العنف لاحقاً في تعاملاته مع الآخرين، أو يمارسه على نفسه من خلال جلد الذات والشعور الدائم بالذنب.
ولا تقتصر مخاطر التعنيف وعدم الاستماع على مرحلة الطفولة فقط، بل تمتد إلى المراهقة والشباب، حيث يصبح من الصعب على الطفل لاحقًا التعبير عن مشكلاته أو طلب المساعدة، وقد يبحث عن بدائل غير آمنة للتنفيس عن ضغوطه. لذلك، فإن الاستماع الهادئ والحوار القائم على الاحترام ليسا ترفاً تربوياً، بل ضرورة لحماية الأطفال وبناء جيل متوازن نفسياً وقادراً على مواجهة الحياة بثقة.