في زخم التطور التكنولوجي المتسارع، دخل الذكاء الاصطناعي إلى حياتنا محدثاً تحولاً كبيراً، وأصبح واضحاً ومتجذّراً في تفاصيل يومياتنا، من الهواتف الذكية والأجهزة المنزلية، إلى مؤسسات العمل والقطاعات الحيوية كالصحة والتعليم والخدمات، واستطاع أن يصبح ظاهرة اجتماعية وثقافية.
لقد أثبت الذكاء الاصطناعي قدرته على تحسين جودة الحياة بطرق متعددة، ففي المجال الطبي، ساهم في تسريع عمليات التشخيص ودعم الأطباء بتحليلات دقيقة للصور والأعراض، ما أدى إلى رفع نسبة نجاح العلاج وتقليل الأخطاء.
وفي ميادين التعليم، أصبح الطالب يتلقى دعماً فردياً عبر منصات تكيّف المحتوى بحسب مستوى المتعلم واحتياجاته، فيما تتيح للمعلم أدوات جديدة للمتابعة والتقييم.
أما في عالم الأعمال، فقد أصبحت الخوارزميات قادرة على تحليل كمّ هائل من البيانات في ثوانٍ، وتقديم قرارات وتوقعات تساعد الشركات على التطور والنمو بوتيرة أسرع مما كان يتصوره الإنسان قبل سنوات قليلة.
كما دخل الذكاء الاصطناعي إلى منازلنا من خلال المساعدات الصوتية، وأنظمة الإضاءة الذكية، وتطبيقات تنظيم الحياة اليومية، مما جعل التكنولوجيا مؤثراً فعلياً في تفاصيل العيش.
ورغم هذا الأثر الإيجابي، فإن الذكاء الاصطناعي يحمل جانباً مثيراً للقلق، لا يمكن إغفاله، وهو تأثيره على سوق العمل، إذ أصبحت الكثير من المهن الروتينية مهددة بالاستبدال، وانتشار البطالة.
من جانب آخر، يطرح الذكاء الاصطناعي تساؤلات حول قدرته على اتخاذ قرارات عادلة ومنصفة، فهو يعتمد على البيانات التي يزوَّد بها، والتي قد تحمل تحيزات غير مرئية تنعكس على نتائجه.
كما أنّ الاعتماد الكثيف على الأنظمة الذكية يثير قضايا جوهرية تتعلق بالخصوصية وحماية المعلومات، خصوصاً مع تزايد قدرة الشركات على جمع بيانات دقيقة عن الأفراد، وتحليل سلوكهم وتوقع خياراتهم المستقبلية.
فأدوات الذكاء الاصطناعي تتشكل قيمتها بحسب من يستخدمها وكيف يستخدمها، فإن تم توظيفها في خدمة الإنسان، مع وضع ضوابط قانونية وأخلاقية واضحة، وتم تعزيزيها بالقيم التي نؤمن بها، فإنها ستكون رافعة للتنمية والتقدم، ومجالاً رحباً للابتكار، وفرصة لتخفيف الأعباء عن كاهل البشر وتمكينهم من التركيز على الإبداع والتفكير، أما إذا أُطلق العنان لها دون تنظيم أو رقابة، فقد تتحول إلى قوة تضغط على الإنسان، وتشكل المجتمعات بطريقة غير متوازنة، وربما غير عادلة.
إن مستقبلنا مع الذكاء الاصطناعي لا يُحدده التطور التقني وحده، بل يحدده وعي الإنسان، وكيفية توجيهه لهذه التقنية بما يحقق مصلحته ويحفظ إنسانيته، فنحن اليوم أمام لحظة تاريخية تتطلب منّا أن نكون أكثر مسؤولية، وأن نؤمن بأن التكنولوجيا مهما بلغت من قوة، فإن قيم الإنسان ووعيه يظلان الركيزة الأساسية التي ينبغي أن تُبنى عليها كل هذه التحولات، فإذا أحسنا توظيف الذكاء الاصطناعي فإننا سنكسب مستقبلاً أكثر إشراقاً، يوازن بين ذكاء الآلة وقوة الإنسان.
* باحثة في الإعلام الرقمي وتكنولوجيا الاتصال