مع حلول شهر رمضان المبارك، تتزايد مظاهر التزيّن في البيوت والمجمعات التجارية، وتتنافس بعض الأسر في تغيير الديكورات سنوياً، واستحداث أركان فاخرة للتصوير، وصرف مبالغ كبيرة على مظاهر شكلية مؤقتة، وبين الفرح المشروع بقدوم الشهر الفضيل والمبالغة التي قد تصل إلى حد الإسراف، تتجدد التساؤلات حول الحكم الشرعي وحدود الاعتدال في زينة رمضان، ومدى تأثير هذه المظاهر في روح الشهر ومقاصده، فيما يوضح الشيخ د. أحمد الدعيس الحكم الشرعي لزينة رمضان، مؤكداً أن الاعتدال هو الميزان الذي يحفظ روح الشهر ومقاصده.وقال د. أحمد الدعيس، إمام وخطيب في الأوقاف السنية والمحاضر في المعاهد الشرعية بوزارة العدل، إن موضوع المبالغة في زينة رمضان «في غاية الأهمية»، خاصة في ظل ما يُلاحظ من تنافس متزايد في الزينة وتغيير الديكورات سنوياً، وتخصيص أركان تصوير فاخرة، وصرف مبالغ قد تكون ضخمة على أمور شكلية لا تدوم.
وأوضح أن الأصل في التزيّن وإظهار الفرح بالشعائر أنه مباح، بل قد يكون محموداً إذا التزم حدود الاعتدال، مشيراً إلى أنه «لا حرج في إضاءة بسيطة، أو عبارات تذكيرية، أو تهيئة البيت بجو إيماني يفرح به الأهل والأطفال، ما دام الأمر خالياً من الإسراف والمباهاة والتشبّه المحرّم».
وبيّن الدعيس أن الإشكال لا يكمن في أصل الزينة، وإنما في المبالغة فيها، مستشهداً بقوله تعالى: (وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)، مضيفاً أن تحويل رمضان إلى سباق في الديكورات أو منافسة في أركان التصوير، أو صرف مئات الدنانير وربما أكثر على أمور مؤقتة، في وقت توجد فيه أسر محتاجة، يدخل في دائرة الإسراف المذموم ويخالف روح الشهر الكريم.
وأكد أن هذه المظاهر قد تؤثر سلباً في روح رمضان من جهتين رئيسيتين؛ الأولى عندما يتحول الاهتمام من الجوهر إلى المظهر، فيُشغل الناس بتزيين الجدران أكثر من تزيين القلوب، والثانية حين تتحول العبادة إلى مشهد اجتماعي، ويصبح التوثيق والاستعراض مقدمًا على الإخلاص، وهو ما يضعف المقصد الأعظم من الصيام وهو تحقيق التقوى.
وأضاف: «رمضان شهر صيام وقيام وقرآن وتوبة»، مستشهداً بقول النبي ﷺ: «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه»، مؤكداً أن الغاية من الصيام إصلاح النفس وتهذيبها، لا صناعة صورة جميلة أو مشهد قابل للنشر في منصات التواصل.
ووجّه الدعيس رسالة لمن يبالغون في الزينة، قائلاً برفق: «الزينة الحقيقية هي زينة القلب»، مستشهداً بقوله تعالى: (وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ)، لافتاً إلى أن توجيه جزء من هذه الميزانيات إلى تفطير صائم، أو كفالة يتيم، أو قضاء دين محتاج، هو أعظم أجراً وأبقى أثراً عند الله.
وشدد على أن المطلوب ليس تحريم كل زينة ولا منع الفرح بقدوم رمضان، وإنما تحقيق الاعتدال وتقديم المقاصد على المظاهر، مبيناً أن الفرح المشروع محمود إذا انضبط بالضوابط الشرعية ولم يتحول إلى مباهاة أو إسراف.
وختم الدعيس حديثه بالدعاء أن يجعل الله تعظيم المسلمين لرمضان بقلوبهم وأعمالهم قبل زينتهم وأضوائهم، مؤكداً أن «البيت الذي يُسمع فيه القرآن، وتُقام فيه الصلاة، وتُرفع فيه الأكف بالدعاء، أبهى عند الله من بيت امتلأ بالأضواء وخلا من القيام»، داعياً إلى اغتنام الشهر فيما ينفع ويبقى أثره بعد انقضائه.