زهراء حبيب

نشأت في بيت محمود المردي... والقراءة صنعت علاقتي المبكرة بالكلمة

اخترت الصحافة حباً لا إرثاً... وبدأت عملي مع غزو الكويت عام 1990

من “الأضواء” إلى “أخبار الخليج”.. تجربة الوالد رسخت مفهوم الصحافة المتوازنة

لست نسخة من أبي... لكن التشبه به شرف مهني كبير

لا أرى نفسي خارج الصحافة... وكل ما فيه ميديا يستهويني

عشت التحول من قلم الرصاص إلى الديجيتال..ولا أحنّ للماضي

في 2011 كان الموقف واضحاً الوطن أولاً ولا وجود لمنطقة وسطى

أفضل خبراً مؤكداً بنسبة 90% على سبق صحفي مشكوك في صحته

الإعلام الرقمي لا يبرر التضحية بالدقة والتأني مدرسة مهنية

الفبركة والذكاء الاصطناعي زادا تحديات التحقق: لا تصدق كل ما تراه

الصحافة باقية رغم تغير الوسائط والمؤسسات المهنية صمام أمان ضد الفوضى

الصحيفة الورقية لن تموت لكنها مطالبة بتغيير مضمونها لا شكلها فقط

أمام الصحفي خياران: الميدان أو تأريخ المرحلة وحفظ الذاكرة

اليوم من يملك “فولورز” يتسيد المشهد والعالم الإعلامي مزدحم ومُحمل فوق طاقته

الخطاب الشعبوي سهل والأصعب الحفاظ على مصداقية الخطاب الصحفي

الذكاء الاصطناعي مساعد مفيد... لكنه لن يعوض روح الصحفي

في مكتبه الذي هدأ صخبه بعد سنوات من إدارة العناوين وصناعة القرار، يجلس مؤنس المردي وكأنه يراقب المشهد من مسافة محسوبة؛ لا هي انسحاب كامل ولا استمرار صاخب، يبتسم حين يُسأل إن كان يعيش "استراحة محارب أم تقاعد"، ثم يجيب بحذر العارف: لا أعلم... لكن “DNA” الصحافة ستكون أقوى، فالرجل الذي غادر رئاسة تحرير "البلاد" لم يغادر المهنة، بل انشغل اليوم بمهمة لا تقل نبلاً: أرشفة الصحف البحرينية القديمة رقمياً حتى عام 1994، وكأنه يحرس الذاكرة كي لا تبتلعها سرعة العصر.

هذا الإعلامي الرائد باح عن مكنونات صدره وقلبه وعقله في حوار لـ"الوطن"، ليروي كيف نشأ في بيت محمود المردي، حيث كانت الصحف جزءاً من تفاصيل اليوم، وحيث صنعت القراءة علاقته المبكرة بالكلمة، لكنه يؤكد أنه اختار الصحافة حباً لا إرثاً، وبدأ مسيرته المهنية مع غزو الكويت عام 1990، في لحظة تاريخية صاغت وعي جيله، من "الأضواء" إلى "أخبار الخليج" تعلّم من تجربة والده معنى الصحافة المتوازنة؛ فهو "ليس نسخة عنه"، كما يقول، لكن "التشبه به شرف مهني كبير".

مؤنس المردي يحكي كيف عاش التحول من قلم الرصاص إلى الديجيتال، دون حنين إلى الماضي، فالمهنة عنده كائن حي يتطور، لا يتجمد، وبين السبق الصحفي والدقة يختار الثانية، مفضلاً خبراً مؤكداً بنسبة 90% على خبر مشكوك في صحته، فالتأني مدرسة مهنية لا يبددها إيقاع الإعلام الرقمي.

وفي زم ن الفبركة والذكاء الاصطناعي، يحذر مؤنس المردي: "لا تصدق كل ما تراه"، هو يؤمن أن الصحافة باقية رغم تغير الوسائط، وأن المؤسسات المهنية تبقى صمام أمان ضد الفوضى، وعلى حد وصفه "الصحيفة الورقية لن تموت"، لكنها مطالبة بتغيير مضمونها لا شكلها فقط، وأمام الصحفي اليوم خياران: "النزول إلى الميدان أو تأريخ المرحلة وحفظ الذاكرة"، وهو اختار أن يجمع بين الاثنين.

المردي يعترف بأن المشهد تبدل؛ من يملك “فولورز” يتسيد الساحة، والعالم الإعلامي مزدحم ومُحمّل فوق طاقته، لكن الخطاب الشعبوي، برأيه، سهل، والأصعب هو الحفاظ على مصداقية الخطاب الصحفي واستمراريته، أما الذكاء الاصطناعي، فمساعد مفيد لا أكثر، لن يعوض روح الصحفي، تلك الروح التي ما زالت تسكنه، وتقاوم فكرة التقاعد.

وإلى نص الحوار

كيف يعرّف مؤنس المردي نفسه اليوم؟

- مؤنس المردي ابن البحرين، وابن فريج الفاضل، وتربيت في بيت صحفي وفي كنف والدي رحمه الله محمود المردي، نشأت في وسط الأحياء في المنامة، والبيوت المتلاصقة والعوائل القريبة من بعضها البعض، وهذه ميزة، وأعتقد الجيل الحالي يفتقدها، ونشأت شخصية مؤنس المردي من خلال هذه البيئة.

واليوم مؤنس المردي بعد المسيرة المتواضعة، أتمنى بأنني قدمت شيئاً ما للصحافة، أو تركت أثراً ولو بسيطاً في عالم الصحافة.

وأنا في الوقت الحالي في مرحلة هل أستطيع أن أطلق عليها "استراحة محارب" أو مرحلة تقاعد لا أعلم، ومع الوقت سنرى، كوني غادرت صحيفة البلاد قبل نحو 3 أشهر فقط، صحيح أنا مستمتع حالياً لكن أعتقد بأن "DNA" الصحافة راح يكون أقوى بعد فترة.

يعرف دائماً بأن الصحفي من الصعب ترك مجال الصحافة بأي شكل من الأشكال، ولكن أنت نشأتك في بيت الصحفي المعروف محمود المردي فكيف شكلت هذه النشأة بأن تدرك قيمة الكلمة مبكراً؟

دائماً كنت أشاهد والدي رحمه الله، في وضع معين، إذ كانت الصحف دائماً في يده، وفي حال لاحظت اختفاءه في المنزل كانت الكتابة هي من تشغله، ومشهد جلوسه على الطاولة ومنغمس في الكتابة هو المسيطر، كما كنت أرافقه في عمله، فهذه الصورة طبعاً أشعرتني بالفضول، لمعرفة ماهية الصحافة.

ولكن القراءة هي من حببتني بالكلمة، وكان والدي يشجعني بصورة مستمرة على القراءة، ويحرص على جلب القصص والمجلات المناسبة لمرحلتي العمرية، ويجعلني أقرأ بلا توقف، وهو ليس تقليداً بل أمراً نابعاً من النفس بسبب عشقي للقراءة.

ومع وفاة والدي محمود المردي، وكان حينها عمري لا يتجاوز 11 عاماً، فقدته كأب، وفي سن المراهقة عندما كنت أقرأ مقالاته، ظهرت لدي الحاجة والدافع للكتابة دون تحديد المجال، رغم أن حب القراءة والاطلاع ومتابعة الأخبار، وهذه المرحلة فتحت باب الصحافة، وأن أكون ابن محمود المردي في الصحافة ميزة، والكثير من الزملاء ليست لديهم هذه الميزة.

ووقتها كانت الصحيفة الموجودة هي الأضواء ويترأس تحريرها محمد قاسم الشيراوي ونصر الدين حمد مدير التحرير، فبدأت مشاركتي في الكتابة ببعض المقالات أو الخواطر، وأمارس العمل الصحفي الميداني خلال الإجازة الصيفية للمدارس، وبدأت بتغطية الأخبار الفنية.

وكانت تعرض أعمال مسرحية من دولة الكويت، فأقوم بمتابعتها وإجراء لقاءات صحفية مع الفنانين المشاركين، منها الفنانة أمل عبدالله، والفنانة المعروفة هدى حسين، وهذا في المرحلة الإعدادية حتى أول ثانوي، وبعدها بدأ الوعي السياسي والأدبي يتشكل، وهنا بدأت المرحلة الانتقالية، وفي هذه الفترة كنت أعشق الأدب والشعر، ومحاولات بسيطة في كتابة الشعر في ذلك الوقت.

وأكملت المرحلة الجامعية في تخصص الإدارة وليس الصحافة، والتحقت بإحدى الجامعات في أمريكا وذلك عام 1986، وكانت هناك القنوات والمحطات الإخبارية تعمل على مدار الساعة، وهذا الأمر فتح لدي مدارك أخرى، فمن خلال متابعتي المستمرة للأخبار أدركت الاختلافات في السياسات، والسياسة الأمريكية، عندها تبلور حب الصحافة بصورة أكبر.

من الممكن أن نقول بأنك ورثت الصحافة أم اخترتها؟

- كلا، أنا اخترتها لأني أحببتها، والشخص الذي لا يحب العمل الصحفي لا يستطيع الاستمرار معها، ورسمياً عملت في الصحافة سنة 1990 في شهر أغسطس، مع بداية غزو العراق للكويت، بعد أسبوعين من رجوعي من أمريكا، وبدأ الغزو ووقتها بدأت العمل الميداني وكنت حينها في جريدة الأضواء التي تأسست عام 1965 وأغلقت في 1993 وكانت تصدر أسبوعياً.

ما الذي أخذه مؤنس من والده محمود المردي... وما الذي اختار أن يختلف فيه؟

- صعب أقول لك الاقتباس في المهنة، لوفاته وأنا بعمر صغير فشعرت حينها بفقد الابن لوالده، ولكن عندما بدأت في قراءة مقالاته كونه عاش فترات متغيرة، صحافة الخمسينات هدفها مختلف والستينات مغاير، وآخر افتتاحية في أخبار الخليج تشعر بأن تجربة الوالد اكتملت من صحافة الخمسينات للصحافة الأسبوعية الأضواء، وأخبار الخليج الصحافة اليومية في دولة حديثة، في عام 1976 بدأ تشكيل الوزارات، ومن أهم الأفكار التي تطرق لها في افتتاحية أخبار الخليج بأننا الآن في بناء الدولة والمؤسسات والكل ينهض لبنائها وليس فقط الحكومة.

وهذه الفكرة اليوم تعني بأن الصحافة اليوم يجب أن تكون صاحبة فكر متوازن، ليست بخطاب سلطة ولا الخطاب شعبوي، ويجب أن تكون مع السلطة في بناء الدولة ولكن يجب أن أتوجه للقارئ كونه لديه "هموم" ويجب أن أقف متوازناً.

وأنا مؤمن بأن ليس كل ما يعرف يقال وليس كل ما ينشر مفيداً وهذا الأمر يأتي بعد الخبرة، وهذا ما استخلصته ولاحظته من رحلة الوالد محمود المردي التي بدأها من القافلة ومن ثم الأضواء وإلى أخبار الخليج.

هل شعرت يوماً أن الإرث عبء قبل أن يكون امتيازاً؟

- أنا محظوظ كوني ابن محمود المردي، كانت أبواب الصحافة موجودة لكن في فترة من فترات كنت أرغب بالاستقلال، وأكون مؤنس المردي أريد تأسيس خطي وترك بصمتي الخاصة، صحيح كما يقال "لن أعيش في جلباب أبي" ولكن في هذا العمر أتمنى أن أعيش في جلباب والدي، لكن هل تركت بصمتي الخاصة؟ لا أستطيع أن أحكم على نفسي ومن تابعني وتعامل معي هو يستطيع ذلك، وهل لدي روح محمود المردي أتشرف بذلك، وإن قيل لي بأني أقلد والدي هذا يزيدني شرفاً.

وأنا على خطى محمود المردي مهنياً، وأقول دائماً لو أكون مثل محمود المردي ولو بنسبة 3% أنا محظوظ.

لو لم تكن صحفياً أو رئيس تحرير ماذا كنت ستكون؟

- فكرت بهذا الموضوع منذ زمن بعيد، لكن لا أتخيل نفسي في مهنة غير الصحافة اخترتها واشتغلتها مبكراً نوعاً ما، لا أستطيع أن أكون رجل أعمال كمهنة بقدر ما هي فن، وحتى ممارستي الإدارة خلال عملي في المطبعة، ولكن الفكر كان صحافة، وكل شيء فيه "ميديا" يستهويني وأعشقه، ولا أرى نفسي في مكان غير الصحافة.

رغم التغيرات التي طرأت على الصحافة؟

- في المرحلة الإعدادية والثانوية، كانت صحف البحرين "جلف ديلي نيوز" و"الأضواء" و"أخبار الخليج" تطبع في المؤسسة العربية للطباعة والنشر، فكنت أتابع إجراءات الطباعة من بدايتها على مكان قلم الرصاص، ثم جاء الكمبيوتر الناشر الصحفي في الصحف، وغيره من البرامج المتطورة، وأنا عشت هذه التجربة، والعودة لهذه المرحلة حتى هذا اللقاء قبل 20 عاماً كان سيكون مكلفاً لكن اليوم لا يُذكر.

أنا سعيد بهذا التطور وهي تعني بأن الحياة تسير بصورة أفضل، وهناك من يشعر بالحنين للماضي، لكني لا أشعر بالحنين للميديا أيام أول، اليوم صارت أفضل والمتابعة أسهل عن طريق البرامج المتطورة والعمل في كل مكان، وأشعر بأن هذا متعة والحمد لله بأنني مررت وعشت هذه التجربة.

محطات مفصلية أثّرت في مسيرتك وكان لها دور في صقل تجربتك؟

- هي تجربتان، الأولى رئاسة تحرير صحيفة البلاد وتأسيسها، وأفتخر كوني جزءاً من فريق التأسيس لصحيفة ناجحة، وتجربتي أيضاً أثرتني كثيراً رئاسة جمعية الصحفيين البحرينية، أعطتني الوجه الآخر للصحافة على المستوى المحلي والخليجي والدولي، وما مرت به البحرين عام 2011 كان صعباً، ووجب التحرك خلال تلك الفترة وحتى اليوم بما يحافظ على وحدة الجسم الصحفي البحريني.

وكان واجبنا كصحافة نقل الحقائق كاملة، وهذه التجربة صقلتني على المستوى المهني والحقوقي، وهاتان التجربتان أوصلتا مؤنس لما عليه اليوم.

كيف ترى مستقبل الصحافة في السنوات المقبلة؟

- الصحافة أساس نهضة أي مجتمع، تغيرت الوسائل وأصبحت أسهل لكن جوهرها الصحافة، الآن نقرأ الصحف بالهاتف والأجهزة الذكية، هناك صحفيون يعملون لإنتاج هذا المحتوى الإعلامي سواء مكتوباً أو مسموعاً أو مرئياً، والصحفي تطور لإيصال الرسالة الصحفية، لولا الصحافة الصادرة من المؤسسات الإعلامية لأصبحت الميديا "فوضى"، كل من يفتي ويكتب، وكل من ينظر، شخصيات مجهولة تتحدث في الاقتصاد والكل يحلل الذهب والفضة، وينصح بشراء الفضة من أنتم؟

القارئ والمتلقي اليوم ما زال يعتمد على المعلومة الصادرة من المؤسسات الصحفية، وكان الأمر واضحاً خلال فترة "كورونا"، هنا قوة الصحافة الحقيقية، وهي الباقية وستبقى، مع الاحترام لجميع المنصات الأخرى.

هل الصحافة الورقية وصلت إلى مرحلة أنها طورت أداتها؟ كل من يقول لنا الصحافة راح تنتهي كورقية؟

- الصحافة الورقية يجب أن تغير مضمونها، والورق ما هو إلا وسيلة لنقل الأخبار، صحيح هي ضعفت وقل تأثيرها لكنها ما زالت قائمة، والصحافة الورقية بمفهومها الكلاسيكي صعب البقاء، وعليه يجب تغيير مضمونها، وهو أمر ليس مؤنس فقط يتحدث به، بل هو فكر يجب أن يكون على مستوى دولي عن كيفية تغيير المضمون للصحافة المكتوبة.

وكان في سنة 2000، الكل متوقع خلال خمس إلى عشر سنوات اختفاء الصحافة الورقية، وحتى اليوم ما زالت قائمة، مع العلم بأن هناك دولاً لم ينتشر الإنترنت في كل أرجائها وما زالت تعتمد على الصحافة المكتوبة، فمثلاً بعض الأقاليم في الهند تمت زيادة أعداد النسخ المطبوعة للصحف.

هل نحن بحاجة إلى أقلام تحليلية في الصحافة الورقية؟

- أساس العمل الصحفي قائم على التحليل وما وراء الخبر، وهو أمر مطلوب لكن طريقة تقديمه اختلفت عن طريق فيديو أو إنفوغرافيك، والسؤال اليوم: القارئ عندما يبحث عن الخبر يبحث عن التفاصيل أم مجرد عناوين؟

أكثر القراء اليوم مع الأسف يبحثون عن العناوين، وقراءة التفاصيل تكون للمختص والمهتم فقط، قبل فترة كان الفيديو لا تتعدى مدته ثلاث دقائق، لكن بعض الحلقات في اليوتيوب تزيد على الساعة والمشاهدة تفوق الملايين، والسبب الاختلاف في طريقة العرض والموضوع المختار.

والمشكلة الآن في الإعلام حالياً، الشخصيات التي تفتي في كل شيء وهي جاهلة، دون العلم بمصدر هذه المعلومة ومدى صحتها، الفبركة في الإعلام الإلكتروني من أسهل ما تكون حتى كبار المحطات كمحطة BBC تضررت من ذلك، والذكاء الاصطناعي "زاد الطين بلة"، فالسابق كان يقال لا تصدق كل ما تسمعه واليوم لا تصدق كل ما تراه.

ماذا يتطلب من رئيس التحرير في عالم الإعلام الرقمي وتبادل المعلومات بسرعة البرق؟

- سرعة البرق ليست على حساب صحة الخبر، الأفضل التأخير والتأكد من صحة المعلومة مع إضافة المزيد من التفاصيل، ونشر أخبار غير مؤكدة ليس أمراً جيداً بالنسبة للصحيفة، والصحافة ليست مهمتها مجرد نقل الخبر، لكن يجب أن نصل لمرحلة كيف ننشر الخبر وندركه، وأنت كرئاسة تحرير أو هيئة تحرير هدفك هو التوازن ونقل المعلومة الصحيحة، ومسؤولية المهنية وأخلاقية الصحافة يجب أن تتجلى في هذا الأمر أيضاً.

وأنا أميل إلى مدرسة "التأني"، وكل مؤسسة إعلامية لها قراؤها، وأفضل نشر خبر متأكد منه 90% أفضل من خبر صحته لا تتجاوز 50% فقط.

خلال فترة شغلك منصب رئاسة التحرير لصحيفة البلاد، ما هو القرار الذي اتخذته وما زال حاضراً بذاكرتك؟

- النقلة الجميلة التي تركت أثراً وهي قرار جماعي لهيئة التحرير في الصحيفة، خلال فترة جائحة "كورونا" عندما عقدنا العديد من الندوات السياسية واللقاءات "افتراضياً" عن طريق الزوم، والمجالس الرمضانية الافتراضية، والناس تجالس بعضها "عن بعد"، وتجاوزنا حاجز الصحافة ورقة وقلم فقط، وهذه كانت الخطوة التي سرعت تأسيس البنية التحتية في عملية "الديجيتال" في الصحيفة.

الصحافة في بعض الأحداث يجب أن تتخذ موقفاً بعيداً عن الوظيفة، ما هي اللحظة التي شعرت فيها بأنك كرئيس يجب أن تتخذ موقفاً؟

- عام 2011 وما حدث فيها، كان الموقف الحفاظ على وحدة الوطن، ويجب أن يكون واضحاً فلا توجد منطقة وسطى، وكان الوطن ثم الوطن ثم الوطن.

أصعب مواقف مررت فيها؟

- وفاة الأمير خليفة بن سلمان كنا نشعر بالحزن بل يجب أن نمارس مهمتنا كصحفيين رغم هذه الظروف، وقراءة رسائل الرثاء كان موقفاً صعباً، والموقف الثاني عندما تنشر مشكلة لأحد القراء تتعلق بالصحة أو طلب خدمي، وبعد فترة تتلقى اتصالاً من صاحب الشكوى يستفسر عن أسباب عدم تلقيه استجابة على شكواه المنشورة في الصحيفة.

هل ما زالت الصحافة تشغل بالك حتى بعد تركك منصب رئاسة التحرير؟

- تركت الصحافة مرتين في التسعينات من أخبار الخليج، هي في الدم لكني في مرحلة إعادة ترتيب الأوراق والتأمل، دائماً يسألوني أخبرهم "خلوني شوي أتسكع".

هل أنت في مرحلة استراحة محارب؟

- يصير، أخاف أجيب بنعم ويقال عني بأنه سيذهب إلى مكان ما قريب، رغم أنه لا يوجد شيء، والصحافة ليست شرط رئاسة تحرير، وهي مشروع كبير، وحتى الآن الموضوع غير معلوم، وفي المرحلة الحالية إعادة ترتيب أوراق و"خلني شوي أتسكع" وأسافر بدون التزامات، حتى الآن لم أتجاوز 3 أشهر من ترك صحيفة البلاد، وخلال أربع إلى خمس أشهر راح أشعر بالحنين، وسوف ترين أعمل على شيء له علاقة بالصحافة لكن ما هو لا أعلم حتى الآن.

هل هناك مشروع تعمل على إكماله؟

- أرشفة الصحف البحرينية القديمة "ديجيتال" بدأت بصحيفة الأضواء والقافلة، ومن بعدها أخبار الخليج، وهي صحف من مكتبتي الخاصة، وكل فترة أقوم بشحن مجموعة من الصحف إلى مركز الأرشيف الوطني في أبوظبي، رغم التعب فيها متعة الحفاظ على إرث صحفي، وقريباً سوف أنتهي من "الأضواء" وبدأت في أخبار الخليج أعداد ترجع لعام 1976 إلى 1980، والهدف الانتهاء حتى 1994، وهو أمر يحتاج لأكثر من عام.

ولا يعد مشروعاً صحفياً بل خطوة لحفظ أرشيفي الخاص لتراث مهني، أما المشروع الصحفي إصدار كتاب معين ولدي عناوين لكتب معينة لكتابتها، فاليوم كصحفي أمامه خياران إما النزول إلى الميدان أو تأريخ فترة من الفترات والحفاظ على التاريخ، ممكن كتابة مقالات، لكن كمشروع لا يوجد شيء محدد.

والصحافة الإلكترونية لن أضيف لها أو تضيف لي أو للإعلاميين بشيء، ولا توجد صورة واضحة لمشروع محدد، والآن أنا في مرحلة ألمّ جراحي وأنعزل وأعالجها وأعود.

اليوم الوضع الصحفي متغير ومتطور بشكل يومي، اليوم الصحافة ليست محلية يجب أن تكون على مستوى الخليج، والآن الإعلام منفتح على الخليج والعالم العربي.

وفي فترة من الفترات من يملك محطة فضائية يتسيد الإعلام، أما اليوم من يملك متابعين "فولورز" هو الذي يتسيد الإعلام، واللهث وراء بناء المتابعين، واليوم العالم الإعلامي مزدحم وأين الشخص يضع خطوته إذا لم يقم بشيء مميز، فالعالم مزدحم مزدحم "Overloaded".

لطالما كنت ضد الخطاب الشعبوي، وتضع الاستمرارية هدفاً مهنياً، كيف طبقت هذا المبدأ خلال فترة عملك كرئيس تحرير؟

- الخطاب الشعبوي سهل، الأصعب الاستمرارية، اليوم أنت مسؤول عن جهة تحريرية تعني أن هناك موظفين وبيوتاً مفتوحة من تلك المؤسسة، سهل نشر كلام يدغدغ مشاعر القراء، ولربما كلمة حق يراد بها باطل، ما الفائدة من مؤسسة إعلامية عملت لمدة ثلاث سنوات وعملت ضجة وبعدها أغلقت، ولا أعني أحداً بذلك.

وفي الجهة الثانية مؤسسة لها تقاليدها ولها استمراريتها، وهو الأثر الباقي كونها حافظت على اتزانها ومصداقيتها في الوقت نفسه، فلا استمرار بلا مصداقية.

هل الذكاء الاصطناعي ينهي مهنة الصحفي؟

- أتمنى معاملة الذكاء الاصطناعي كمساعد مفيد، وصعب التنبؤ بالتطور الذي يلحق به، لكن من الصعب أن يحل محل الإنسان، الآلة تتطور في الجهد لكن روح الإنسان تبقى، هل أنا حالم؟ وصعب التكهن بهذا الموضوع.