د. أسماء خالد

* عيسى الكبير وضع حجر الأساس للهداية الخليفية ومنحها الشرعية والدعم الرسمي

* تكليف عيسى الكبير للشيخ عبد الله بن عيسى بقيادة إدارة التعليم عزّز مسيرة التطوير التربوي

* البحرين افتتحت مدارس جديدة في المنامة والحد والرفاع خلال عشرينيات القرن العشرين

* تأسيس مدرسة خديجة الكبرى عام 1928م رسّخ ريادة البحرين في تعليم البنات خليجياً

* الهداية الخليفية عام 1919م أول مدرسة نظامية حديثة في البحرين

في مطلع القرن العشرين، أدرك صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة حاكم البحرين وتوابعها أن الكتاتيب لم تعد كافية لمواكبة تحولات العصر، فانحاز بوعيٍ وإرادةٍ إلى دعم التحول نحو التعليم النظامي الحديث، واضعاً الأساس لمرحلة جديدة في تاريخ البحرين. فكان صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة حاكم البحرين وتوابعها، قائداً لنهضة تعليمية مدروسة، نقلت المجتمع من بساطة التعليم التقليدي إلى أفقٍ مؤسسي منظم، ومهّدت لبناء الدولة البحرينية الحديثة على قاعدة العلم والمعرفة. ويُعدّ التعليم من أهم الركائز التي تقوم عليها نهضة المجتمعات وتقدّم الدول، إذ يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتشكّل الوعي الثقافي والاجتماعي والسياسي للأفراد. وقد شهدت البحرين خلال عهد صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة طيّب الله ثراه مرحلةً مفصليّةً في تاريخها التعليمي، حيث انتقلت تدريجياً من التعليم التقليدي إلى بدايات التعليم النظامي الحديث. ولم يكن هذا التحوّل وليد الصدفة، بل جاء نتيجة رؤية إصلاحيّة واعية، تفاعلت مع ظروف سياسيّة واقتصاديّة وثقافيّة مواتية، وأسهمت في إرساء الأُسُس الأولى لنهضة تعليميّة كان لها أثرٌ بالغ في مسيرة البحرين الحديثة. التعليم في البحرين قُبيل عهد صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي قبل تولي صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي الحكم، كان التعليم في البحرين يعتمد بشكل أساسي على الكتاتيب وحلقات المساجد، حيث اقتصر على تعليم القرآن الكريم ومبادئ القراءة والكتابة وبعض مسائل الفقه والحساب. وكان التعليم يتم في بيئة بسيطة يفتقر فيها إلى التنظيم والمناهج الواضحة، ويتولّى مهمة التعليم المطوّع أو الملا. ورغم الدور المهم الذي أدّاه هذا النمط التعليمي في حفظ الهويّة الدينيّة والّلغوية للمجتمع البحريني، إلّا أنّه لم يكن قادراً على تلبية متطلبات العصر، خاصّة مع ازدياد الاحتكاك بالعالم الخارجي وتطوّر أنماط الإدارة والتجارة، ممّا جعل الحاجة إلى تطوير التعليم أمراً مُلّحاً مع نهاية القرن التاسع عشر. - بدايات الوعي بأهمية تطوير التعليم في عهد صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي: مع بداية عهد صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة، بدأت ملامح التحوّل في النظرة إلى التعليم تتبلور تدريجياً، إذ تزامن حكمه مع حالة من الاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي، لا سيّما في تجارة اللؤلؤ، إضافةً إلى ازدياد التواصل الثقافي مع مراكز النهضة الفكرية في العالم العربيّ. وقد أدرك الشيخ عيسى الكبير أهمية التعليم بوصفه وسيلةً أساسيةً لبناء مجتمع متعلم قادر على مواكبة التطوّرات الحديثة، فكان موقفه إيجابياً من التجديد التعليمي، بل كان داعماً له وبقوة مع الحرص أن يتماشى ذلك مع القيم الدينيّة والاجتماعيّة السائدة، الأمر الذي ساعد على تقبّل المجتمع لمظاهر التحديث. نشأة التعليم الحديث في البحرين شهدت البحرين خلال عهد صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة بدايات التعليم الحديث، حيث ظهرت المدارس النظامية التي اعتمدت مناهج أكثر تنظيماً مقارنةً بالتعليم التقليدي. وقد شملت هذه المناهج مواد جديدة مثل الحساب والجغرافيا والتاريخ، إلى جانب تدريس الّلغة العربيّة بأسلوبٍ حديث. وقد مثّل هذا التحول خطوة مهمة في نقل التعليم من الطابع الفردي البسيط إلى الإطار المؤسسي المُنظّم، وأسهم في إعداد جيل جديد يمتلك معارف أوسع تتلاءم مع متطلبات العصر. وجاء تطوّر التعليم في البحرين نتيجة تفاعل مجموعة من العوامل التاريخية المتداخلة التي أسهمت مجتمعةً في دعمه وتعزيزه. فقد وفّر الاستقرار السياسي الذي شهدته البحرين في عهد صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة بيئةً آمنة ومناسبة للإصلاح، كما ساعدت سياسة الانفتاح المتوازن التي انتهجها الحاكم على تقبّل مظاهر التحديث مع الحفاظ على البنية الاجتماعية والدينية للمجتمع. وأسهم الازدهار الاقتصادي الناتج عن تجارة اللؤلؤ في توفير موارد مالية دعمت المبادرات التعليمية الناشئة ومكّنت من تمويل المشاريع التعليمية. وإلى جانب ذلك، لعب العامل الاجتماعي دوراً مهماً، حيث ازدادت رغبة الأهالي في تعليم أبنائهم، وارتفع الوعي بقيمة العلم وأثره في تحسين المكانة الاجتماعية. كما كان للعامل الثقافي أثر بارز، إذ أسهم انتشار الصحف والكتب، وتنامي التواصل مع المراكز الثقافية والفكرية في مصر وبلاد الشام والعالم العربي والإسلامي، في انتقال الأفكار الإصلاحية إلى البحرين، ممّا أدى إلى نمو الوعي بأهمية التعليم الحديث وضرورته التفكير في إنشاء مدارس وطنية حديثة تراعي القيم والهوية الدينية والاجتماعية السائدة في المجتمع وتستجيب في الوقت ذاته لمتطلبات العصر. رعاية صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي للتعليم قبل 1919 لم تبدأ رعاية صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة للتعليم مع تأسيس مدرسة الهداية الخليفية، بل سبقتها مبادرات تعليميّة مُبكّرة، من أبرزها دعمه لمدرسة الشيخ أحمد المهزع في المنامة في أواخر القرن التاسع عشر. وقد شكّلت هذه المدرسة نواة للتعليم النظامي، حيث دُرّست فيها اللغة العربية والحساب والفقه والتشريع الإسلامي، وأسهمت في إعداد البلاد للدخول في مرحلة التعليم الحديث المنظم. تأسيس مدرسة الهداية الخليفيّة يُعدّ تأسيس مدرسة الهداية الخليفية عام 1919م من أبرز المحطات في تاريخ التعليم في البحرين، إذ مثّلت أوّل مدرسة نظامية حديثة متكاملة. وقد جاء تأسيسها نتيجة التقاء الإرادة الشعبيّة التي تمثّلت في مبادرات وجهاء البحرين ومساندتهم للإرادة السياسيّة التي جسّدها دعم صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي وتشجيعه للمشروع. ولم يقتصر دوره على الجانب المعنوي، بل أضفى الصفة الشرعية على المدرسة من خلال براءة التأسيس ونصها «بسم الله الرحمن الرحيم ، من عيسى بن علي الخليفة إلى حضرات الأجلاء الكرام الذوات المجتمعين في ما يرضي رب العالمين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد فإني أنهي إليكم اهتمامي العظيم وشكري الجزيل على اجتماعكم واتفاقكم في سبيل هذا العمل الخيري الجليل سائلاً المولى جل شأنه أن يوفق الجميع لما فيه رضاه يوم نلقاه إنه سميع مجيب. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته في 13 ربيع الثاني 1338هـ (الموافق 4 يناير 1920م)». كما واكب صاحب العظمة مراحل بناء المدرسة وتابعها بعنايةٍ واهتمام، وحضر مراسم وضع الحجر رفقة ولي عهده الشيخ حمد ونجله الثاني الشيخ محمد، فتقدّم جلالته حيث يوضع الأساس ووضع يده المباركة على الحجر الأساسي وأمر بتثبيته في الأرض وتناول بالملعقة قليلاً من الإسمنت فوضعه بين الحجرين. الأمر الذي منح المشروع قبولاً اجتماعياً ودينياً واسعاً، ومثّل دلالة واضحة على التزامه الشخصي بمشروع التعليم الحديث، وقد سجل المؤرخ النبهاني صاحب «التحفة النبهانية» تلك المناسبة بقوله «نهض حكام البحرين وأشرافها ببث العلوم والمعارف فبدءوا أولاً بتأسيس المدارس العلمية . . . . . . وأطلقوا عليها اسم مدارس الهداية وقد حضر عند وضع حجر أساسها حكام البلد وأعيانها وإنّ أول حجر وضع في أساسها هو بيد صاحب العظمة سمو الحاكم الشيخ عيسى بن علي آل خليفة». وبتكليفٍ كريم من صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة تولّى ابنه الشيخ عبد الله بن عيسى دوراً محورياً في عملية التحوّل للتعليم الحديث في البحرين، حيث كُلّف برئاسة مجلس إدارة مدرسة الهداية الخليفية، وأشرف على إدارتها وتطويرها، وتزامن ذلك مع التوسع في إنشاء المدارس الحديثة حيث تم افتتاح مدرسة الهداية الخليفية الثانية للبنين في المنامة سنة 1921، وتم افتتاح مدرسة جديدة وهي مدرسة الحد للبنين 1926 ومدرسة الرفاع الشرقي للبنين 1926، فضلاً عن ذلك تم افتتاح مدارس أخرى في المنامة نذكر منها المدرسة المباركة العلوية 1927 والمدرسة الجعفرية 1928. - تعليم المرأة في عهد صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي: رغم أنّ تعليم البنات لم يكن منتشراً بسبب العادات والتقاليد السائدة والاعتقاد بعدم حاجة الفتاة للتعليم إلّا أنّ هذه النظرة بدأت تتغير تدريجياً مع تنامي الوعي بأهمية تعليم المرأة. وقد شكّل هذا التحول خطوة مهمة نحو بناء مجتمع أكثر وعياً؛ حيث أدرك أنّ تعليم المرأة يسهم في بناء الأسرة والمجتمع على حد سواء. يُعدّ تأسيس مدرسة خديجة الكبرى عام 1928م أول إنجاز بارز في هذا المجال، حيث تُعتبر هذه المدرسة أول مدرسة للتعليم النظامي الحكومي للبنات في البحرين، وقد أُنشئت في عهد صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة، وحملت في بدايتها اسم مدرسة الهداية الخليفية للبنات. وقد مثّل إنشاء هذه المدرسة حدثاً تاريخياً بالغ الأهمية، ليس على مستوى البحرين فحسب، بل على مستوى منطقة الخليج العربي بأسرها، إذ حقّقت البحرين من خلال هذه المبادرة ريادة إقليمية في مجال التعليم النظامي الرسمي للبنات. وقد شهدت المدرسة إقبالاً ملحوظاً منذ افتتاحها، حيث بلغ عدد الطالبات خلال الأشهر الثمانية الأولى أكثر من مائة طالبة، وهو ما يعكس التحوّل التدريجي في وعي المجتمع بأهمية تعليم الفتاة. وتوالى بعد ذلك إنشاء مدارس البنات في مختلف مناطق البحرين، وتطويرها ممّا يثبت أنّ تعليم البنات في عهد صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي لم يكن مجرد خطوة تعليمية، بل كان تحولاً اجتماعياً وثقافياً عميقاً أسهم في إعادة تشكيل دور المرأة البحرينية، ومهّد الطريق لمشاركتها الفاعلة في نهضة المجتمع. - البعثات التعليميّة وبدايات التعليم العالي: لم يقتصر اهتمام صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة على التعليم داخل البحرين فحسب، بل امتد ليشمل الانفتاح على التعليم العالي خارج البلاد. وقد تُوّج هذا التوجه بإرسال أول بعثة دراسيّة بحرينيّة إلى الخارج عام 1928م، حيث أُوفد عدد من الطلبة للدراسة في الجامعة الأمريكية في بيروت. وقد شكّلت هذه الخطوة نقلة نوعية في مسار التعليم البحريني، إذ أتاحت للطلاب فرصة التخصص في مجالات علميّة حديثة، وأسهمت في نقل الخبرات الأكاديميّة والفكريّة إلى البحرين. كما مثّلت هذه البعثة بداية لنهج جديد في إعداد الكوادر الوطنية المؤهلة، وهو نهج استمر وتوسّع في العهود اللاحقة، وأسهم في تعزيز مسيرة التحديث الإداري والثقافي في البلاد. الأندية الثقافيّة ودورها في دعم التعليم شهدت البحرين في أوائل القرن العشرين تأسيس عدد من الأندية الثقافية والأدبية التي أدّت دورًا مهمًا في تنشيط الحركة الفكرية ونشر الوعي الثقافي. مثل نادي إقبال أوال 1913 والنادي الأدبي في المحرق 1920، وقد أسهمت هذه الأندية في تعريف المجتمع بالمستجدات الفكرية والإصلاحية في العالم العربي والإسلامي، وشكّلت فضاءات للحوار وتبادل الأفكار، ممّا دعم مسيرة التعليم الحديث بصورة غير مباشرة. - روّاد الحركة التعليميّة والوطنيّة: برز في عهد صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي عددٌ من العلماء والمعلمين المثقفين الذين كان لهم دور بارز في نشر العلم وتطوير التعليم، وكان من بينهم السيد عبد الوهاب بن حجي الزياني الذي كان له دور في استقدام المعلمين والشيخ قاسم بن مهزع الذي أعلن تأييده للتعليم وتبرعه لدعمه، والشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة الذي كان نائباً لرئيس الإدارة الخيرية للتعليم ومن أبرز الشخصيات الأدبية في البحرين، والسيد محمد خنجي الذي كان كاتب الإدارة الخيرية للتعليم، والسيد يوسف فخرو الذي كان أميناً للإدارة، وغيرهم من رواد الحركة التعليميّة. وقد ارتبطت النهضة التعليميّة بالحركة الوطنيّة، حيث أسهم التعليم في تنمية الوعي السياسي والاجتماعي، ممّا يدل على الترابط الوثيق بين التعليم وبناء الوعي الوطني. - آثار تطور التعليم في عهد صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة: أسهم تطوّر التعليم في عهد صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي في رفع مستوى الوعي المجتمعي وظهور طبقة متعلّمة شاركت في الحياة العامّة. كما ساعد التعليم الحديث على إعداد كوادر وطنية تولّت العمل في مجالات الإدارة والتعليم والقضاء، وأسهم في تمهيد الطريق لعملية التحديث الشامل التي شهدتها البحرين في العهود اللاّحقة. يمكن القول إنّ عهد صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة شكّل مرحلة مفصلية في تاريخ التعليم في البحرين، وعلى الرغم من التحديات التي واجهت التعليم الحديث في البحرين في بداياته، ومنها محدودية الإمكانات الماديّة، ونقص الكوادر التعليميّة،ومع ذلك وبفضل الإرادة السياسية الحكيمة والمساندة الشعبية، استطاعت البحرين تحقيق تقدّم كبير في مجال التعليم، وتم تجاوز هذه الصعوبات تدريجياً حيث انتقلت البلاد خلال عهده من التعليم التقليدي إلى التعليم النظامي الحديث في إطار سياسة رشيدة قامت على التدرّج والتوازن بين الأصالة والتجديد. وقد أسهمت رؤية صاحب العظمة الشيخ عيسى بن عيسى آل خليفة الإصلاحيّة، إلى جانب جهود روّاد التعليم والعلماء والمثقفين ، في إرساء أُسُس نهضة تعليميّة متينة كان لها أثر عميق في بناء الدولة البحرينيّة الحديثة.

* باحثة في التاريخ وأكاديمية