د. راشد عبدالرحمن العسيري
شهر رمضان المبارك شَهرُ الصِّيام والقِيَام، شهرٌ جعَلَ الله صيامَه فريضةً، وقيام ليله تطوُّعًا وفضيلة، فأيَّامه عامرةٌ بالصيام، وليَالِيه مَكْسوَّةٌ بالتَّهجُّد والقيام، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَن قام رَمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تَقدَّم مِن ذنبِه».
والمقصود بقيام شهر رمضان: الصَّلاة التي تُؤدَّى بعد صلاة العشاء، سواءً كانت تُفْعَل أوَّل الليل أو وسطه أو آخره، كل ذلك يُعْتبَر قيامًا، وتُسمَّى بصلاة التراويح.
وصلاة التراويح إنِّما سُمِّيَتْ بهذا الاسم لأنّ فيها ترويحاً عن النفس، فكانوا يسْتريحُون بين كلّ أربع رَكَعات.
وقد قام النبي صلى الله عليه وسلم بأصْحابه رضي الله عنهم ليالِيَ عِدَّة ثم تَرَك ذلك خشْيَةَ أنْ تُفْرضَ على أُمَّته، ومازال الناس في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وفي عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه يُصلُّون فُرادَى وجماعات في المسجد، حتى جَمَعَهُم عمر بن الخطاب رضي الله عنه على إمامٍ واحد.
وصلاة التراويح سُنّةٌ مُؤكَّدة، والسُّنّة فيها أنْ تُؤدَّى جماعةً في المساجد، وهو قول جمهور الفقهاء.
والأفضل للمسلم أنْ يُتمّ صلاة التراويح مع الإمام ليَنالَ أجْر قيام ليلة كاملًا، فعن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّهُ من قام مع الإمامِ حتى ينصرفَ هو، كُتِبَ لهُ قيامُ ليلةٍ».وتُشْرَع صلاة التراويح للنساء، والأفْضل للمرأة أنْ تُصلِّي التراويح في بيتها، إلَّا إذا خَشَيَت التَّفْريط في القيام أو ضياعه، أو كان في صلاتها في المسجد زيادةُ خشوع وقُوَّة ونشاط، فصَلَاتها في المسجد حينئذٍ أفضل، بشَرْط التزامها بالآداب الشرعية المُتَعلِّقة بذلك من الحجاب الشَّرْعي، وتَرْك الزِّينة والتَّطيُّب وغيرها.
وليس لقيام رمضان عددٌ مُعيّنٌ محْدودٌ من الرَّكَعات لا يُزَاد عليه ولا يَنْقص، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلَّى إحْدى عشر ركعة وصلَّى ثلاث عشْرة ركعة وصلَّى تسْع ركعات، وإنْ كان الغالب عليه أنّه صلى الله عليه وسلم لا يزيد في رمضان ولا في غيره على ثلاث عشرة ركعة، كما تُخْبر بذلك السيدة عائشة رضي الله عنها، لكن كانت صفة صلاته أنّه يُطِيل الرَّكعات.
ولمَّا جَمَعَهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه على أُبَيّ بن كَعْب رضي الله عنه كان يُصلِّي بهم عشرين ركعة ، ثم يُوِتر بثلاث ، وكان يُخفِّف القراءة بقدْر ما زاد من الرَّكعات لأنّ ذلك أخفّ على المأمومين من تطويل الركعة الواحدة.
أمَّا الأفضل في صلاة التراويح فهو يختلف باختلاف أحوال المُصلِّين، فإنْ كان فيهم احتمال لطول القيام فالقيام بعشْر ركعات وثلاث بعدها كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يُصلِّي لنفسه في رمضان وغيره هو الأفضل، وإنْ كانوا لا يَحْتملُون فالقيام بعشرين هو الأفضل.
فلنحيي سنَّة نبينا المصطفى صلى الله عليه وسلم لننال فضْل الله تعالى وعظيم ثوابه ومغفرته.* أستاذ الفقه بجامعة البحرين