كشفت دراسة علمية نشرتها مجلة الشرق الأدنى عن معطيات جديدة تتعلق بالهيكل الإداري والسياسي لحضارة دلمون، استنادًا إلى تحليل ثلاث قطع طينية مختومة (Tokens) عُثر عليها خلال عمليات التنقيب في مواقع أثرية بمملكة البحرين. وقد نفذت هيئة البحرين للثقافة والآثار عمليات التنقيب في هذه المواقع بالتعاون مع مجموعة من الخبراء الدوليين، بقيادة المتخصص في حضارة دلمون، الدكتور ستيفن تيرب لورسن، وأسفرت هذه الجهود عن اكتشاف أثر مميز في منطقة الخليج العربي.
بهذه المناسبة، صرح الشيخ خليفة بن أحمد آل خليفة، رئيس هيئة البحرين الثقافة والآثار، بأن نتائج هذه الدراسة تؤكد مجددًا المكانة الاستثنائية التي تحتلها البحرين كموطن لحضارة دلمون وأحد أبرز المشاهد الأثرية في منطقة الخليج العربي. كما تبرز أن المواقع الأثرية البحرينية لا تزال تملك القدرة على تقديم اكتشافات جديدة تسهم في تعميق فهمنا لتاريخ المنطقة. وتُظهر الدراسة أيضًا أهمية الحفاظ على التراث الأثري، ودعم البحث العلمي، وتعزيز التعاون بين المؤسسات البحرينية والبعثات والجامعات الدولية. إذ تتيح مثل هذه الاكتشافات إعادة كتابة فصول جديدة من تاريخ دلمون، الحضارة التي شكَّلت حلقة وصل حضارية وتجارية بين بلاد الرافدين والخليج العربي والعالم القديم.
وتساهم هذه الدراسة في تعزيز الفهم المعاصر لتاريخ دلمون؛ وترسيخ صورتها كحضارة ذات سيادة مركزية ونظام سياسي واداري مستقل ودور هام في الربط التجاري بين حضارة السند وبلاد الرافدين وماجان، حيث تقدم القطع المكتشفة أدلة على وجود مملكة ذات سيادة مركزية ونظام إداري مستقل، كما أثبت العثور على طبعات لختم الملك نفسه في موقعين مختلفين هما "المقشع" و"قلعة البحرين" وجود جهاز إداري ملكي يشرف على الأنشطة التنظيمية في أجزاء مختلفة من الجزيرة خلال النصف الأول من الألفية الثانية قبل الميلاد (1700-1650 ق.م).
وحول القيمة العلمية لهذا الكشف، صرح الدكتور ستيفن تيرب لورسن، خبير حضارة دلمون بمتحف العين، قائلاً: "إن الإمساك بجسم مختوم بالختم الشخصي لـ 'ياغلي-إيل'، والذي استُخدم على الأرجح في شبابه بصفته ولياً للعهد، هو أمر يقدم اتصالاً مباشراً مع آليات السلطة في العصر البرونزي. تكشف هذه النقوش عن حاكم استندت سلطته إلى رعاية دينية معينة، حيث امتد نفوذه الإداري عبر المشهد السياسي والطقسي في البحرين".
وقد ركز البحث على تحليل الألقاب الملكية الواردة في الأختام، حيث ظهر اسم الملك "ياغلي-إيل" (Yaglī-ʾel) مقترناً بلقب "خادم الآلهة بانيبا". ويعد هذا الكشف مهماً عند مقارنته بنقوش أخرى عُثر عليها سابقاً في تلال عالي الملكية، حيث كان يُلقب فيها بـ "خادم الإله إنزاك". ويرجح الباحثون أن هذا الاختلاف يشير إلى مراحل زمنية ومناصب مختلفة شغلها الملك خلال حياته، فربما كان اللقب المرتبط بالآلهة "بانيبا" يعود لفترة توليه ولاية العهد أو منصب ديني رفيع قبل اعتلائه العرش، مما يوفر تسلسلاً زمنياً لشخصية ملكية دلمونية.
كما أعاد البحث قراءة التوزيع الجغرافي للديانة الدلمونية، إذ أثبت أن عبادة الآلهة "بانيبا" (زوجة الإله إنزاك) كانت ركيزة أساسية في العاصمة "قلعة البحرين" وفي المواقع الطقسية مثل "المقشع"، ولم تكن مقتصرة على جزيرة فيلكا كما كان يُعتقد في الدراسات السابقة. ويشير هذا الترابط إلى وجود وحدة دينية وسياسية متماسكة تربط بين أطراف المملكة.
ومن الناحية الإدارية، كشفت الدراسة عن نظام "المصادقة المتعددة" في إدارة الموارد، حيث تحمل القطع الطينية طبعات من أختام متنوعة، مما يرجح أنها كانت تستخدم كوثائق تفويض أو تصاريح تسمح لحامليها بدخول مناطق معينة أو استلام حصص تموينية من المخازن الملكية والمعبدية. هذا المستوى من التنظيم البيروقراطي يعكس نضج النظام الإداري في دلمون وقدرته على ضبط حركة الموارد والناس عبر استخدام الكتابة المسمارية والأختام.
يُذكر أن هذا البحث يتقاطع مع الأهمية التاريخية المتزايدة لآثار البحرين، خاصة بعد إدراج نقوش الملك "ياغلي-إيل" ضمن سجل اليونسكو "ذاكرة العالم" عام 2025. وتظل هذه القطع الطينية المكتشفة شواهد مادية تدعم الفرضيات العلمية حول طبيعة الحكم والإدارة في واحدة من أبرز الحضارات البحرية في التاريخ القديم.