ليس من السهل أن يأتي العيد في ظروفٍ غير عادية. أن نرتدي ملابس العيد وفي داخلنا شيء لم يهدأ بعد، وأن نبتسم بينما لا تزال بعض الأصوات عالقة في الذاكرة، حاضرة بإحساسها وثقلها، وكأنها لم تغادر تماماً.
ومع ذلك نحتفل، ليس لأننا نتجاهل ما حدث، ولا لأننا لا نشعر، بل لأننا نفهم أن الحياة لا تتوقف كلما مرّ القلق، وأن الأوطان لا تُحمى بالخوف، بل بالثبات، وأن الاستمرار في تفاصيل الحياة، مهما بدت بسيطة، هو في ذاته شكل من أشكال القوة.
في الأيام الماضية، لم يكن كل شيء عادياً. أصوات إنذارٍ تقطع الصمت فجأة، لحظات ارتباك لم نخطط لها، وخوف تسلل إلى القلوب دون استئذان. في تلك اللحظات، لم يكن التفكير منطقياً بقدر ما كان غريزياً؛ نبحث بعينٍ سريعة عن من نحب، نطمئن، نقترب أكثر، وكأن العالم كله يختصر فجأة في دائرة صغيرة اسمها «أهلي».
وكان السؤال الصامت يتكرر في داخلنا جميعاً: هل نحن بخير؟ واليوم، يأتي العيد ليجيب.. بهدوء: نعم، نحن بخير، ليس لأن شيئاً لم يحدث، بل لأننا تجاوزناه ونحن معاً.
لهذا، لا تبدو الفرحة هذا العام صاخبة كما اعتدنا، بل أكثر هدوءاً.. وأكثر وعياً. فرحة تعرف قيمتها، لأنها جاءت بعد لحظات قريبة اختبرت القلوب، وجعلتنا نرى الأشياء بوضوح أكبر، ونفهم أن الطمأنينة التي نعيشها ليست أمراً بديهياً، بل نعمة عظيمة تستحق الامتنان.
وفي هذا العيد، يبدو المشهد مختلفاً في عيون الأطفال. كأنهم ينتظرون هذه الأيام بشيءٍ من الترقب، لا فقط فرحاً بالملابس والهدايا، بل بحثاً عن إحساسٍ بسيط افتقدوه في الأيام الماضية.. إحساس أن كل شيء عاد طبيعياً.
لقد عاشوا لحظات لم تكن جزءاً من عالمهم المعتاد؛ أصوات مفاجئة، تغيّر في تفاصيل يومهم، وقلق لم يعرفوا كيف يفسرونه، لكنه كان واضحاً في نظراتهم، وفي اقترابهم أكثر، وتمسّكهم أكثر.
واليوم، يأتي العيد ليعيد لهم هذا التوازن. ليمنحهم فرصة للضحك دون تردد، وللركض دون أن يلتفتوا خلفهم، وليشعروا أن العالم عاد كما يجب أن يكون.
العيد هنا لا يكون مناسبة فقط، بل يصبح مساحة آمنة صغيرة، نحاول من خلالها أن نعيد الطمأنينة إلى قلوبهم، بهدوء، دون أن نشرح لهم كل شيء.. ودون أن يشعروا بكل شيء.
وفي وسط هذا المشهد كله، هناك حقيقة لا يمكن أن تمر دون أن تُقال. أن هذه الطمأنينة التي نعيشها اليوم لم تأتِ من فراغ. هناك من كان في موقعه، في الوقت الذي كان فيه الآخرون يبحثون عن الأمان، وهناك من تحمّل المسؤولية بصمت، ليظل هذا الوطن ثابتاً كما نعرفه.
ولهذا، فإن كلمة الشكر في هذا العيد، لا تكفي.. لكنها واجبة.
شكرًا لجنود البحرين البواسل، الذين لم يكن دورهم مجرد مهمة فقط، بل طمأنينة أيضاً تمتد إلى كل بيت، وجعلونا نعيش أيام العيد ونحن نشعر بالأمان، رغم كل ما مرّ.
وفي نفس الوقت.. يظهر المجتمع كما هو في حقيقته. أقرب، وأسرع في الاطمئنان، وأصدق في حضوره. وكأن ما مرّ لم يفرّقنا، بل أعاد ترتيب شعورنا تجاه بعضنا، وتجاه هذا الوطن. ففي اللحظات الصادقة، تسقط كل التفاصيل الصغيرة، وتبقى الحقيقة الأوضح: أننا نقف معاً، وننتمي إلى هذا المكان بعمقٍ لا يتغير.
ولهذا، نحن لا نحتفل رغم الظروف فقط، بل نحتفل لأننا نعرف من نكون في مثل هذه الظروف. نحتفل لأننا لم نفقد أنفسنا، ولم نفقد بعضنا، ولم نفقد هذا الإحساس العميق الذي يجعلنا نقف، مهما حدث.. على أرضٍ واحدة.
وفي النهاية قد تمر أصوات، وقد ترتبك لحظات، وقد يقترب القلق قليلاً.. لكن ما يبقى دائماً وطنٌ نعيش فيه مطمئنين، تحت رايته، في ظل القيادة الرشيدة الحكيمة، حيث يبقى فينا هذا الشعور الذي لا يهتز ونحتفل بأعيادنا بإذن الله وكل عام وأنتم بخير.