في إطار رئاسة مملكة البحرين لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في دورة شهر أبريل الحالي، ترأس سعادة الدكتور عبداللطيف بن راشد الزياني وزير الخارجية جلسة المجلس رفيعة المستوى الخاصة بالتعاون بين مجلس التعاون لدول الخليج العربية والأمم المتحدة التي عقدت في مقر المجلس اليوم، تحت بند (التعاون بين الأمم المتحدة والمنظمات الاقليمية ودون الاقليمية في حفظ السلام والأمن الدوليين).

شارك في الجلسة سعادة السيد خالد خياري مساعد الأمين العام للشرق الأوسط وأوروبا والأمريكتين وآسيا والمحيط الهادئ، ومعالي السيد جاسم محمد البديوي الأمين العام لمجلس التعاون.

وفي بداية الجلسة ألقى وزير الخارجية كلمة نقل فيها تحيات حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك مملكة البحرين المعظم، حفظه الله ورعاه، وصاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله، وتقديرهم البالغ للدور البناء الذي يقوم به مجلس الأمن والجهود التي يبذلها من أجل صون السلم والأمن الدوليين، معربا عن الاعتزاز بعضوية مملكة البحرين غير الدائمة في المجلس للعامين 2026-2027، ورئاسة المملكة لاجتماعات المجلس في هذه الدورة.

وأعرب الوزير عن الشكر والامتنان على اعتماد مجلس الأمن القرار رقم 2817 الذي تقدمت به مملكة البحرين نيابة عن دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية والمملكة الأردنية الهاشمية، بشأن الاعتداءات الإيرانية غير القانونية بالصواريخ البالستية والطائرات المسيرة، والمخطط لها مسبقا بدقة متناهية، مما يعكس النوايا العدوانية الإيرانية تجاه دولنا المسالمة والمجاورة لإيران، والتي استهدفت البنى التحتية والمنشآت الحيوية والمواقع السكنية، بما في ذلك المطارات والموانئ والفنادق ومنشآت الطاقة والمصانع والجامعات وخدمات الأمن الغذائي والمواقع الخدمية والمناطق السكنية ومحطات المياه والمقار الدبلوماسية، مما تسبب في خسائر كبيرة في الأرواح والممتلكات.

وأكد الوزير أن كفاءة وجاهزية القوات المسلحة ومنظومات الدفاع الجوي في دول مجلس التعاون والأردن، تصدت ببسالة وكفاءة للصواريخ البالستية والطائرات المسيرة وتعاملت معها باحترافية عالية، وأسهمت في تحييد التهديد والحد من آثاره وحماية الأرواح والمنشآت والمقدرات الحيوية.

وأعرب عن التقدير لالتزام مجلس الأمن الراسخ بسيادة واستقلال ووحدة وسلامة أراضي دول مجلس التعاون، والدعم الواسع الذي حظي به قرار مجلس الأمن من مئة وستة وثلاثين دولة من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، الأمر الذي يؤكد الرفض الدولي القوي لتلك الاعتداءات الايرانية المخالفة للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة ومبادئ حسن الجوار.

وقال وزير الخارجية إن مملكة البحرين تثمن اعتماد مجلس حقوق الإنسان في جنيف للقرار L.38 ، الذي تقدمت به البحرين، بشأن التداعيات على حقوق الإنسان لتلك الهجمات الايرانية الغادرة التي استهدفت دول مجلس التعاون والأردن، وذلك خلال جلسة النقاش العاجلة التي عُقدت ضمن أعمال الدورة الحادية والستين بتاريخ الخامس والعشرين من مارس الماضي، وبدعم غير مسبوق من مئة وخمس عشرة دولة راعية للقرار، مما يعكس إرادة والتزام المجتمع الدولي بحماية حقوق الإنسان، بما تضمنه القرار من إدانة صريحة وبأشد العبارات للهجمات التي شنتها إيران، باعتبارها انتهاكا جسيما للقانون الدولي، بما في ذلك القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.

وأضاف إن هذا الموقف الدولي الحقوقي المقدر يؤكد رفض المجتمع الدولي القاطع لهذه التجاوزات الإيرانية والانتهاكات المستهزئة بأحكام القوانين والمواثيق الدولية وقرارات مجلس الأمن، والمتجردة من القيم الدينية والأخلاقية والإنسانية.

وقال وزير الخارجية إن من المؤسف والمحزن أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية لم تكتف بهجماتها الآثمة على دول مجلس التعاون والأردن وبنيتها التحتية المدنية، وسفك الدماء الزكية الطاهرة وترويع الآمنين من مواطنين ومقيمين، بل تجاوزت إلى تهديد الاقتصاد العالمي عبر اغلاق مضيق هرمز والتحكم في حرية الملاحة الدولية فيه، معرضة للخطر أمن الطاقة وامدادات الغذاء والتجارة العالمية، في انتهاك صارخ للقوانين الدولية واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار. مشيدين بموافقة مجلسكم الموقر على ما تضمنه قرار المجلس رقم 2817 من تأكيد على أهمية الأمن البحري وحرية الملاحة في مضيق هرمز، وأن أي تعطيل للممرات المائية الحيوية قد تكون له تداعيات على التجارة الدولية والاستقرار الاقتصادي العالمي.

وأشار إلى أن مملكة البحرين تقدمت بمشروع قرار إلى مجلس الأمن بشأن اقدام إيران على التحكم، دون وجه حق، في الملاحة الدولية في مضيق هرمز، والذي وضع المجلس أمام تحد يتطلب موقفا حازما تجاه مثل هذه التصرفات غير الشرعية واللامسؤولة، التي تهدد مصالح دول العالم وشعوبه. وقال إننا واثقون من أن مشروع القرار ينسجم مع القانون الدولي، ومع أحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، التي نظمت حق السفن في المرور العابر في المضائق الذي لا يجوز أن يعاق، كما تفعل إيران اليوم، معربا عن التطلع إلى موقف موحد من المجلس خلال جلسة التصويت على مشروع القرار.

وانطلاقا من رئاسة مملكة البحرين للدورة الحالية لمجلس التعاون لدول الخليج العربية أعرب وزير الخارجية عن الشكر لمجلس الأمن على تخصيص هذه الجلسة لمناقشة التعاون بين الأمم المتحدة ومجلس التعاون، الذي طالما حرصت دوله الأعضاء على تأكيد التزامها التام بأهداف ميثاق الأمم المتحدة ومقاصده، وآمنت بأن شراكتها الفعالة مع الأمم المتحدة، من شأنها أن تعزز الدور الحيوي للمنظمات الاقليمية في معالجة التحديات والصراعات العالمية، وفقا لما نص عليه الفصل الثامن من ميثاق الأمم المتحدة.

وقال إنه منذ تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية قبل خمسة وأربعين عاما، أكد المجلس، بأنه منظومة إقليمية فاعلة ومتفاعلة مع القضايا الإقليمية والدولية، وتساهم في تعزيز السلام والأمن الإقليميين.

وأضاف أن مجلس التعاون حرص دائما على أن يشارك العالم همومه، ويدعم قضاياه العادلة، واستخدم كافة امكاناته وعلاقاته وشراكاته الدولية للمساهمة في تعزيز الاستقرار الإقليمي والدولي، من خلال تفعيل الوساطة، وتشجيع الحلول الدبلوماسية، وتقديم الدعم الإنساني، ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، والدعوة إلى تكريس قيم التسامح والتعايش والإخاء الانساني، ودعم التنمية المستدامة في الدول الأقل نموا، وحماية البيئة، والدعوة إلى اشاعة السلام الشامل المستدام.

وقال وزير الخارجية إنه انسجاما مع ما نص عليه الفصل الثامن من ميثاق الأمم المتحدة من أهمية دور المنظمات الإقليمية في تسوية النزاعات والمساهمة في تحقيق السلم والأمن في العالم، فقد كان لمجلس التعاون دور بارز في تسوية الأزمة اليمنية في عام 2011، من خلال المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، التي أسهمت في حقن الدماء ومعالجة الأزمة سلميا، وأصبحت، وحتى اليوم، إحدى المرجعيات الدولية لحل الأزمة اليمنية.

وأكد الوزير أن مجلس التعاون كان له دور فعال في تخفيف حدة النزاعات الإقليمية ومساندة الجهود الهادفة إلى تسوية الأزمات في عدد من دول المنطقة مثل سوريا وفلسطين ولبنان وليبيا وغزة، وسوف يستمر في مواصلة هذا الدور، بالتعاون والشراكة مع الأمم المتحدة والدول المحبة للسلام.

وأكد وزير الخارجية أنه في إطار الفصل الثامن من ميثاق الأمم المتحدة، يظل التعاون بين الأمم المتحدة ومجلس التعاون لدول الخليج العربية تعاوناً متنامياً لم يصل بعد إلى مستوى الإطار المؤسسي الكامل، رغم ما يحمله من إمكانات كبيرة لتعزيز السلم والأمن الدوليين. وقال إن التجربة أظهرت ذلك، لا سيما من خلال المبادرة الخليجية في اليمن، مشيرا إلى أن التنسيق الفعّال بين الجهود الإقليمية والدولية يمكن أن يحقق نتائج ملموسة في دعم المسارات السياسية والحد من التصعيد، مما يؤكد الحاجة إلى تطوير آلية أكثر تنظيماً وهيكلةً لتنسيق العمل بين الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية، بما يعزز الاتساق والتكامل في التعامل مع التحديات المتزايدة.

وأكد الوزير على أهمية العمل نحو إرساء لقاءات دورية ومنتظمة، بما في ذلك اجتماعات سنوية بين مجلس الأمن والمنظمات الإقليمية، بما يسهم في تعزيز التشاور الاستراتيجي، وتبادل التقييمات، ودعم استجابة جماعية أكثر فاعلية للأزمات الإقليمية والدولية.

وقال إننا في مجلس التعاون مدركون لأهمية تعزيز التعاون والشراكة مع الأمم المتحدة، في العديد من المجالات الحيوية، وضرورة استخدام كل الوسائل الكفيلة بتحقيق أهدافنا المشتركة، ومن بينها الآليات المناسبة لتعزيز الحوار والتعاون الاستراتيجي، والتنسيق المشترك، وتكثيف المشاورات إزاء الجهود التي تقوم بها الأمم المتحدة في مجالات حفظ الأمن والسلام والعمل الإنساني والتنمية المستدامة، وتكريس مساهمة المرأة والشباب ودورهم في تعزيز السلام والأمن.

وأضاف إننا في مجلس التعاون، وبقيادة وحكمة أصحاب الجلالة والسمو قادة دول المجلس، حفظهم الله ورعاهم، سنظل دائما حافظين للعهود والمواثيق الدولية، ملتزمين بأحكام القوانين الدولية، مؤمنين بأن المستقبل الأفضل للبشرية يتطلب شراكة دولية فاعلة تستند إلى قيم السلام والتعايش والتعاون والإخاء الإنساني.

وفي ختام الجلسة، اعتمد المجلس بيان الرئاسة الذي أقر فيه مجلس الأمن بمكانة مجلس التعاون لدول الخليج العربية وخبرته في فهم وتعزيز السلم والأمن المستدامين على الصعيد الإقليمي، ونوه بمساهماته في دعم الاستقرار الإقليمي والدولي من خلال الوساطة، والدبلوماسية الوقائية، وتقديم الدعم الفني والمالي، والانخراط الإنساني دعمًا لجهود الوقاية عبر مختلف مراحل بناء السلام.

كما أوضح البيان أن مجلس الأمن يرحب بالمشاورات الجارية بين أمانتي الأمم المتحدة ومجلس التعاون لدول الخليج العربية، ويُؤكد أهمية تعزيز التعاون المؤسسي بينهما، بما في ذلك من خلال الحوار المنتظم، وآليات التنسيق، وتبادل المعلومات، في مجالات مثل منع النزاعات، والوساطة، وبناء السلام، ومكافحة الإرهاب، والاستجابة الإنسانية، مشيرا إلى قراراته السابقة ذات الصلة، التي أخذت في الاعتبار أهمية منطقة الخليج للسلم والأمن الدوليين، ودورها الحيوي في استقرار الاقتصاد العالمي، والمساهمة الكبيرة للدول الأعضاء في مجلس التعاون في أنشطة الأمم المتحدة لحفظ السلام والجهود الإنسانية.