أكد خبراء وتربويون أن الهاتف الذكي سلاح ذو حدين، وقد يؤدي الإفراط في استخدامه إلى تراجع التحصيل الأكاديمي، والتشتّت وضعف التركيز، واضطرابات النوم، والغضب والتوتر، فضلاً عن العزلة الأسرية والاجتماعية. ودعوا إلى مقاومة الذعر وبناء التوازن الرقمي والاستخدام الواعي من خلال طرق أسرية وتربوية وإعلامية ومجتمعية تتجاوز الوعظ والمراقبة.
ونوّهوا بأن معظم الطلاب الذين يفرطون في استخدام هواتفهم الذكية يقلّ معدّل تحصيلهم الدراسي، فضلاً عن أنهم يفقدون التركيز خلال مراجعة دروسهم العلمية، موضحين أن الدراسات أثبتت أن الهاتف لا يؤثر فقط على التحصيل الدراسي، بل أيضاً على النواحي الصحية والنفسية والسلوكية والاجتماعية. وشدّدوا على أهمية تشجيع البدائل الممتعة أسرياً وتعليمياً، وأن يكون المنع في المدرسة بطريقة الحزم والتوعية والتربية؛ لأن المراهقين لا يتقبلون الضغط، مع تصميم بيئة تساعد أبناءنا على الدراسة والتفوق دون صراع دائم مع التقنية.
بدور بوحجي:تحديات بيولوجية وأكاديمية ونمائيةالخبيرة في مجال تربية الموهوبين والمستشارة في جودة التميز والتعليم د. بدور بوحجي، أكدت أن الهاتف الذكي أصبح جزءاً من الحياة اليومية للأطفال والطلبة، إلا أن خطورة الاستخدام تتضاعف كلما انخفض العمر. فدخول الهواتف الذكية والشاشات إلى حياة الأطفال دون سن الخامسة يمثّل تحدياً نمائياً حقيقياً لما لها من آثار على النمو العصبي واللغوي والاجتماعي.
وقالت إنه من الناحية البيولوجية، فإن التعرّض المكثف يحفّز الدماغ بمستويات عالية من الإثارة البصرية السريعة، ما يرفع عتبة التحفيز العصبي لدى الطفل، ويجعله يميل إلى البحث المستمر عن الحركة السريعة والمؤثرات القوية، وهي خصائص تختلف جذرياً عن إيقاع الحياة الواقعية، النتيجة قد تكون ضعفاً في الانتباه المستدام، وتراجع القدرة على التفاعل الاجتماعي الطبيعي، وصعوبة في تنظيم السلوك.
أما على المستوى الدراسي، فقد بينت تقارير OECD وجود علاقة ارتباطية بين الإفراط في استخدام الأجهزة الرقمية وتراجع الأداء الأكاديمي، خاصة عندما يقترن بتعدّد المهام الرقمية. كما توضح أبحاث من Harvard University أن الانتقال السريع بين التطبيقات يقلّل عمق الفهم، ويؤثر في الذاكرة العاملة. ومن منظور نمائي، يلاحظ المختصّون تزايد مظاهر العزلة الاجتماعية، وفرط الحركة، وبعض المشكلات الإدراكية السلوكية لدى الأطفال الذين يقضون ساعات طويلة أمام الشاشات.
وذكرت د. بوحجي أن الهواتف بحد ذاتها ليست شرّاً؛ فهي أداة تحمل جوانب تعليمية ومعرفية ثرية إذا أُحسن استخدامها. الإشكالية تكمن في غياب الضبط والوعي، ودعت إلى بناء «ثقافة التوازن الرقمي» «والاستخدام الواعي» في الأسرة بتشجيع اللعب الحر، والأنشطة الحركية، والقراءة التفاعلية. أما المدرسة فهي مطالبة بتفعيل التعلّم النشط والأنشطة الواقعية التي تعزّز التفاعل الإنساني، فيما يتحمّل الإعلام مسؤولية نشر الوعي بمخاطر الإفراط الرقمي وتقديم محتوى تربوي هادف.
القحطاني: مقاومة الذعر لتعظيم الأمور النافعةالكاتب والمؤلف السعودي المقيم بمملكة البحرين فهد القحطاني، أشار إلى أن عدد مشتركي تطبيقات التواصل الاجتماعي بالعموم بلغ أكثر من 5 مليارات مشترك نشط في عام 2024، وهذا العدد فيه نسبة كبيرة بالمرحلة العمرية من 7 إلى 22 عاماً يقضون أوقاتاً طويلة على الهاتف الذكي. وقال إنه في الوقت الذي ينقسم المربّون بين مؤيد ومعارِض للاستمرار في هذا الاندماج، تبقى خوارزميات التطبيقات تزداد فعالية مع كل محتوى إضافي. وهناك مخاطر محتملة، لكن الأمور النافعة والحسنة أكثر إلى حد دفع بعض خبراء التربية إلى مقاومة دعم مفهوم الذعر من التقنية الذي يشغل أذهان الآباء دون طائل.
وأضاف القحطاني أن التحرش والتنمر الإلكتروني يحتاجان الوعي بالسياق الذي تظهر فيه هذه السلوكيات لمساعدة الآباء والتربويين على تدارك استفحال الظاهرة، مع عدم إعفاء المتحرش والمتنمر من تحمل نتائج سلوكهما. وفي عالم اليوم الذي يُمكن لأطفالٍ في سن الثامنة التواصل مع غيرهم عبر الإنترنت، هناك حاجة ملحة لتعليمهم الحدود الفاصلة بين ما هو مقبول وما هو مرفوض ضمن سياق هذا التواصل.
ونوّه بوجود تنظيم الاتحاد الأوروبي للخدمات الرقمية ومنظّمة الوسائل السمع بصرية والتنظيمات الإقليمية المعنية بإصدار التنظيمات المتجددة لتحقيق أفضل تجربة سمعية وبصرية ممكنة للمستخدمين الرقميين. ومن المأمول أن تستفيد الجهات الإعلامية في المنطقة مع أهداف وإنجازات هذه المنظّمات لمساعدة أفراد الأسرة على استمرار جعل الفضاء الرقمي شريكاً إيجابياً في حياتنا اليومية.
العلوي: حوار 70/30 وأنشطة جماعيةوكيل وزارة التربية والتعليم سابقاً، واستشاري الإرشاد النفسي والأسري، د. خالد العلوي، أكد وجود تأثيرات للهاتف الذكي على التحصيل الأكاديمي والقدرات المعرفية والسمات الشخصية والسلوكية والتفاعل الأسري والمجتمعي، داعياً إلى معالجتها في إطار التربية على التوازن دون المنع أو التفريط، وأنشطة جماعية عائلية ومدرسية، مع حوار مستمر حول المحتوى والتربية الرقمية بطريقة 70/30، أي الاستماع والإصغاء بنسبة 70%، وإبداء الرأي 30% وهي طريقة ناجحة للحوار والتوافق.
ونوّه بأن الهاتف الذكي والتقنيات سلاح ذو حدين، لكن الشائع هو الجانب السلبي، وخصوصاً على التحصيل الأكاديمي حيث تصيب «الإشعارات» الدماغ بالتشتت ويصعب معها التركيز في المذاكرة أو الحصص كما تُقلّل وقت الدراسة، وتخلق اضطراباً بالنوم. وتابع: «يؤثر الهاتف على الشخصية، فيجعلها سريعة الغضب والعصبية وفاقدة للصبر وقليلة المهارات في الحوار والاستماع، ويُفقدها أي تواصل جسدي وبصري مع الآخرين. والأخطر أنه يؤدي لتدني تقدير الذات والقلق عبر المقارنة مع «المؤثرين»، رغم الواقع الطيب، ويخلق عزلة اجتماعية داخل الأسرة وسلوكيات تقليد غير واقعية». وأشار إلى وجود دراسات تؤكد العلاقة السلبية بين الاستخدام المفرط للهاتف والدرجات الأكاديمية، منها دراسة لجامعة تكساس ترى أن وجود الهاتف كجهاز على الطاولة يُقلّل القدرة المعرفية حتى دون استخدامه.
ودعا العلوي إلى تعليم أبنائنا إدارة الوقت وفق قواعد واضحة وتشجيع البدائل الممتعة، واعتماد مناطق خالية من الهواتف أثناء المذاكرة، وأن يكون المنع في المدرسة بطريقة الحزم والتوعية والتربية؛ لأنهم لا يتقبلون الضغط، مع تنفيذ أنشطة جماعية تُقلّل الانطواء والجلوس على الهاتف مع استخدامه كأداة تعليمية، وليس للتسلية فقط، فيما يقوم الإعلام بدور توعوي حول الإدمان الرقمي وتأثيراته على الشخصية والسلوك، بمحتوى متوازن يبرز نماذج ناجحة لإدارة التكنولوجيا. مختتماً بالتأكيد أن القدوة أهم من التعليم والتوعية، فلا نطالبهم بشيء لا نطبقه.
بوهزاع: المشكلة والحلول وفق «البصائر السلوكية»من جهته، قال الخبير في البصائر السلوكية، أحمد بوهزاع إنه: «يمكن فهم ظاهرة قضاء الطلاب ساعات طويلة على الهاتف من خلال طريقة العقل البشري عند اتخاذ القرار، وليس فقط من زاوية الانضباط أو ضعف الإرادة». وأضاف أن هناك ما يُعرف بـ»التحيز للحاضر»، حيث يميل الإنسان إلى تفضيل المتعة الفورية على المنفعة المستقبلية، والهاتف يقدم مكافآت سريعة: إشعار، إعجاب، مقطع قصير، جولة لعبة. بينما الدراسة تقدم عائداً مؤجلاً ونجاحاً مستقبلياً، كما أن التطبيقات تعتمد على «التعزيز المتقطع»، أي أنك لا تعرف متى ستحصل على مكافأة مثيرة، ما يدفعك للاستمرار في التصفح، وارتفاع مستوى التعلق وزمن الاستخدام، لدى المراهقين.
ونوه بـ«تكلفة التحول الذهني»، فكل مرة ينتقل فيها الطالب من المذاكرة إلى الهاتف ثم يعود، يفقد جزءاً من تركيزه وطاقته الإدراكية، وهذا التشتت يخفض جودة الفهم والاستيعاب، حتى لو ظن الطالب أنه قادر على «تعدد المهام». أما على مستوى الشخصية والسلوك، فالاستخدام المكثف يعزّز التحفيز السريع، ويُضعف مهارة تأجيل الإشباع، المرتبطة بالنجاح الأكاديمي والاستقرار النفسي.
كما أن المقارنات الاجتماعية المستمرة في المنصات قد تؤثر على تقدير الذات وتُقلّل القبول الاجتماعي.
وحول الحل من منظور البصائر السلوكية، أشار بوهزاع إلى أنه لا يكون بالوعظ، بل بإعادة تصميم البيئة. مثل: إبعاد الهاتف جسدياً أثناء المذاكرة، وإغلاق الإشعارات، لأن الإشعار هو «محفز سلوكي» يعيد تنشيط العادة، وتخصيص أوقات عائلية خالية من الأجهزة، ليصبح الانضباط معياراً اجتماعياً مشتركاً، مستخلصاً أن الهاتف ليس مشكلة بحد ذاته، بل البيئة السلوكية المحيطة به، وعندما نفهم كيف تُصنع قراراتنا، نستطيع تصميم بيئة تساعد أبناءنا على الدراسة والتفوق دون صراع دائم مع التقنية.