ليست كل المناسبات تُقاس بعدد أعوامها؛ فبعضها يكتسب قيمته من الحكاية التي يحملها، ومن الذاكرة التي يوقظها في وجدان الوطن. والاحتفاء بمرور مئة وعشرين عاماً على تأسيس الكنيسة الإنجيلية الوطنية في مملكة البحرين، تحت الرعاية السامية لسيدي حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، يستحضر قصة مكان بقي في قلب المنامة شاهدًا على علاقة ممتدة بين الإيمان والخدمة والانتماء، وعلى وطن جعل احترام الإنسان جزءًا من شخصيته الوطنية.

في ذلك المكان، لا يحضر التاريخ بوصفه أرقاماً وتواريخ فحسب، بل بوصفه أثراً بقي في الوجدان. أرض مُنحت، وثقة نمت، ومجتمع اتسع، وصرح ظل قائماً على مدى أكثر من قرن، يروي بصمته الكثير عن البحرين؛ عن مدينتها، وناسها، وقدرتها على أن تجعل من التنوع مساحة للطمأنينة لا سبباً للقلق.

وقبل تأسيس الكنيسة عام 1906، كانت ملامح هذه القصة قد بدأت تتشكل في أواخر القرن التاسع عشر، مع حضور الإرسالية الأمريكية في البحرين، وارتباط اسم القس صموئيل مارينوس زويمر ببدايات مبكرة جمعت بين الخدمة الدينية والعمل الإنساني والتعليمي والطبي. وقد وجدت تلك الجهود في البحرين أرضاً رحبة للعمل والخدمة، ومناخاً اجتماعياً قادراً على احتضان التنوع وبناء الثقة، فمهّدت لقيام مؤسسات تركت أثرها في الذاكرة الوطنية، من بينها المدرسة والمستشفى والكنيسة.

ومن هذا الامتداد، برزت الكنيسة الإنجيلية الوطنية كأحد الشواهد الحية على أن التعايش في البحرين لم يكن فكرة مستجدة، ولا خطاباً وُلد من تحولات العصر، بل ممارسة إنسانية راسخة تشكّلت عبر الزمن في تفاصيل الحياة اليومية. وعلى الأرض ذاتها التي مُنحت في عهد صاحب العظمة عيسى الكبير حاكم البحرين وتوابعها طيب الله ثراه، تأسست الكنيسة لتصبح جزءاً من ذاكرة المدينة، ومن سيرة مجتمع عرف كيف يصون الإيمان، ويحفظ الكرامة، ويمنح الجميع شعوراً بالأمان والانتماء.

وتأتي الرعاية السامية من لدن سيدي حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم حفظه الله ورعاه لهذه المناسبة، وحضور سمو الشيخ عبدالله بن حمد آل خليفة الممثل الشخصي لجلالة الملك المعظم رئيس المجلس الأعلى للبيئة، لتمنحها بعدها الوطني الأعمق، وتربط بين ذاكرة المكان ونهج البحرين المعاصر في رعاية التعدد الديني والثقافي. فمنذ عهد عيسى الكبير إلى العهد الزاهر لجلالة الملك المعظم، تبدو القصة متصلة في معناها، راسخة في جذورها، حاضرة في واقع البحرين التي جعلت من التعايش قيمة حكم ومجتمع، ومن احترام الإنسان أساساً للاستقرار والثقة.

ولعل ما يجعل هذه الذكرى مؤثرة أنها لا تستحضر تاريخ الكنيسة وحدها، بل تستحضر تاريخ علاقة طويلة بين البحرين ومكوناتها المختلفة. فدُور العبادة في هذا الوطن لم تكن يوماً مباني معزولة عن حياة الناس، بل كانت جزءاً من ذاكرة الأحياء، ومن حركة المجتمع، ومن قصص الأسر والجوار والعمل والخدمة. وهنا يتحول التنوع من مجرد حضور إلى معنى أعمق؛ معنى يشعر فيه الإنسان أن له مكاناً، وأن كرامته مصونة، وأن انتماءه لهذه الأرض يمكن أن يُترجم إلى عطاء ومسؤولية ومشاركة.

ومن موقع مركز الملك حمد العالمي للتعايش والتسامح، تمثل هذه المناسبة امتداداً مباشراً لرسالة المركز في إبراز التجربة البحرينية بوصفها تجربة إنسانية ومؤسسية ناضجة. فالتعايش لا يعيش في الخطابات وحدها، وإنما في البيئة التي تمنح الناس الطمأنينة، وفي القيادة التي تؤمن بقيمة الإنسان، وفي المجتمع الذي يرى في التنوع مصدر قوة لا سبباً للقلق. وقد ظلت البحرين، عبر تاريخها، وطناً يتسع للجميع ممن يحملون لها الاحترام والوفاء، ويجدون في أرضها مساحة للأمان والانتماء والعطاء.

مئة وعشرون عاماً مضت، وبقي المكان شاهداً. شاهداً على أرض مُنحت، وثقة نمت، ومجتمع اتسع، ووطن أدرك مبكراً أن احترام الإيمان لا يضعف الهوية الوطنية، بل يعمقها. ومن هنا، فإن الاحتفاء بهذه الذكرى هو احتفاء بروح البحرين ذاتها؛ البحرين التي جعلت من دُور العبادة جزءاً من ذاكرتها، ومن احترام الإنسان نهجاً راسخاً، ومن التنوع قوة تعبر الأجيال.

المدير التنفيذي لمركز الملك حمد العالمي للتعايش والتسامح