عبدالله صويلح

- تتغير الأجيال مع مرور الزمن، وتتبدل معها أساليب الحديث والتعامل، لكن تبقى الأخلاق الرفيعة وفن التخاطب أساساً لا يتغير مهما اختلفت العصور، فمن الضروري أن نغرس في أبنائنا ثقافة الحديث مع الآخرين، وآداب الحوار، وفن الرد والتعامل، لأن طريقة الكلام تعكس مستوى التربية والبيئة التي نشأ فيها الإنسان، فليس كل حديث يحتاج إلى تدخل، وأحياناً يكون حسن الاستماع أبلغ من كثرة الكلام، لأن الإنصات يمنح صاحبه احتراماً وثباتاً في المواقف، كما أن معرفة متى يبدأ الإنسان حديثه، ومتى ينهيه تعد مهارة اجتماعية راقية تحفظ للمرء مكانته وهيبته بين الناس، فالكلمة الطيبة تفتح القلوب، بينما التسرع في الحديث قد يترك أثراً لا يُنسى.

- ولا يخلو أي مجتمع من فئة تعاني صعوبة في التواصل مع الآخرين، فتجدهم يميلون إلى العزلة والانطواء، ليس كرهاً للناس، بل بسبب ضعف التأسيس منذ الصغر على الحوار والمشاركة الاجتماعية، فالبعض نشأ في بيئة لا تمنحه فرصة التعبير عن رأيه أو النقاش مع من حوله، فيكبر وهو متردد في الحديث وخائف من الخطأ، وقد نرى ذلك واضحاً في طالب متفوق علمياً، لكنه يعجز عن تقديم كلمة بسيطة أمام زملائه بسبب رهبة الحديث وقلة الممارسة، كما أن هذه الفئة كثيراً ما تقع في مواقف محرجة أثناء النقاشات أو التجمعات الاجتماعية، لأنهم لم يعتادوا على فن التواصل والتفاعل مع الآخرين، لذلك فإن تنمية مهارات الحديث منذ الصغر لا تقل أهمية عن التعليم الأكاديمي نفسه.

- وهناك أيضاً فئة تمتلك مكانة اجتماعية أو ثقافية أو علمية مرموقة، لكنها تفتقر أحياناً إلى أسلوب الحديث المناسب، فيقعون في مواقف محرجة رغم مكانتهم العالية، فالمجتمع اليوم يؤمن بأن “لكل مقام مقال”، وهذه العبارة لم تأتِ عبثاً، بل جاءت من تجارب ومواقف متكررة تثبت أهمية اختيار الكلمات المناسبة، فقد نرى شخصاً يمازح صديقه بالطريقة نفسها أمام مجلس رسمي أو مناسبة عزاء، فيتحول المزاح إلى موقف غير لائق يضعه في حرج أمام الجميع، كما أن البعض لا يفرق بين وقت العتاب ووقت المدح، أو بين الجدية والهرج، فيختلط حديثه بطريقة تسيء له دون قصد، لذلك تبقى اللياقة في التعبير وحسن التصرف، وانتقاء الكلمات من أهم صفات الإنسان الواعي الذي يعرف كيف يتعامل مع مختلف المواقف.

- وهذه المهارات لا تُدرس غالباً في الكتب أو المناهج الدراسية، بل مصدرها الأول هو الأسرة، فهي المدرسة الحقيقية التي يتعلم فيها الإنسان أسلوب التعامل مع الناس، فالبيت الذي يزرع في أبنائه الاحترام وحسن الاستماع والتقدير للآخرين، يخرج أفراداً قادرين على بناء علاقات ناجحة ومستقرة، كما أن البيئة الأسرية الواعية تعلم أبناءها أن لكل موقف أسلوبه الخاص، ولكل نقاش كلمات منتقاة بعناية، فلا يكون الحديث عشوائياً أو جارحاً، فالطفل الذي يرى والديه يتحاوران باحترام، ويتعاملان بهدوء مع الخلافات يكتسب هذه الصفات تلقائياً مع مرور الوقت، ولهذا يقال دائماً إن الفرد مرآة أسرته، لأنه يعكس في تصرفاته وكلامه صورة التربية التي نشأ عليها.

- وفي الختام، يبقى الواقع شاهداً على أن ما تغرسه الأسرة في أبنائها هو الأساس الحقيقي لشخصياتهم، لكن الحياة مليئة بالمواقف التي قد تفسد كل ما بُني بسبب كلمة عابرة أو تصرف غير محسوب، فهناك كلمات تبني جسور المحبة والثقة، وهناك كلمات تهدم علاقات استمرت سنوات طويلة، لذلك علينا أن نزن أحاديثنا قبل أن ننطق بها، فكثير من الخلافات بدأت بجملة قيلت في لحظة غضب، وكثير من القلوب التأمت بكلمة طيبة صادقة، إن فن التخاطب ليس مجرد أسلوب للكلام، بل هو علم يحتاج إلى وعي وتجربة وحسن إدراك للمواقف، ومع مرور الأيام يصبح الإنسان نفسه خير مثال على أثر كلماته، فإما أن يترك خلفه أثراً طيباً يُذكر به، أو يترك ندماً صنعته كلمة لم يحسن اختيارها.