- - وسائل التواصل الاجتماعي تعمّق الخلافات الأسرية والانفصال العاطفي
- - دعوات لإلزام المقبلين على الزواج بدورات تأهيلية وتثقيفية
- - مكاتب التوفيق الأسري تنجح في إنهاء ٪40 من القضايا بالصلح
- - الطلاق لا يقتصر على حديثي الزواج.. الزيجات الطويلة تسجل أعلى معدلات الانفصال
- - ربع حالات الطلاق وقعت بعد أكثر من 15 عاماً من الزواج
- - موزة الدوي: الطلاق نتاج تراكمات ثقافية واقتصادية ورقمية تبدأ قبل الزواج
- أحلام القاسمي: مقترح بتشكيل لجنة وطنية لمتابعة ظاهرة الطلاق
- فوزية جناحي: ضعف الوعي قبل الزواج وتدخلات الأقارب من أبرز أسباب الطلاق
- د. ياسر المحميد: ضعف الوعي وسوء الاختيار والتفريط بالقيم من أبرز أسباب الطلاق
- مجيد العصفور: 3 مسارات للحد من الطلاق: الوقاية والعلاج والتنمية
- حمد الخان: الضغوط الاقتصادية وسوء الاختيار والإهمال العاطفي أبرز أسباب الخلافات
- أكثر من 4300 ملف طلاق وصل إلى المحاكم خلال 3 سنوات
- ارتفاع مستمر في حالات الطلاق الممتدة لأكثر من 15 عاماً منذ 2022
- ٪40 من النزاعات الزوجية تنتهي بالصلح قبل الوصول إلى الطلاق
- الزيجات البحرينية تسجل 1472 حالة طلاق خلال عام واحد
- «العدل»: آلاف الخلافات الأسرية جرى احتواؤها عبر مكاتب التوفيق
-20321 عقد زواج خلال 4 سنوات يؤكد ارتفاع نسبة الإقبال رغم التحديات
- خبراء: الأسرة مشروع تنموي يتطلب وعياً وشراكة مجتمعية
- مختصون: الحل في التكامل بين التوعية والتشريع وبرامج التأهيل قبل الزواج
- عندما يفتقر الزوجان إلى مهارة الحوار العقلاني يصدران مشاحناتهما إلى الدائرة العائلية
تكشف الإحصاءات الرسمية الخاصة بالزواج والطلاق في مملكة البحرين عن ملامح تحولات اجتماعية داخل بنية الأسرة، في ظل تزايد التحديات الاقتصادية والثقافية والتقنية التي تؤثر على استقرار الحياة الزوجية. ورغم تسجيل 8134 حالة طلاق خلال السنوات الأربع الماضية، فإن المؤشرات العامة تؤكد استمرار استقرار معدلات الطلاق ضمن نطاق يُعد طبيعياً مقارنة بالمعدلات العالمية، خاصة مع وصول عقود الزواج إلى أكثر من 20 ألف عقد خلال الفترة نفسها.
وتبرز في المقابل مؤشرات إيجابية تتمثل في ارتفاع نسب الصلح الأسري عبر مكاتب التوفيق، إضافة إلى تزايد الاهتمام ببرامج التأهيل والإرشاد للمقبلين على الزواج، باعتبارها أدوات وقائية للحد من الخلافات الأسرية. كما تؤكد بيانات رسمية أن الطلاق لم يعد مرتبطاً بفئة عمرية أو مرحلة محددة، بل أصبح يمتد إلى مختلف الأعمار وسنوات الزواج، بما في ذلك الزيجات الطويلة.
وتشير هذه المعطيات إلى أن ظاهرة الطلاق باتت نتيجة لعوامل مركبة تشمل الضغوط الاقتصادية، وضعف الوعي الأسري، وتغير أنماط الحياة، ما يستدعي تكامل الجهود القانونية والاجتماعية والتربوية لتعزيز استقرار الأسرة البحرينية.
مستويات مرتفعة نسبياً
وأظهرت بيانات رسمية حديثة، أن إجمالي حالات الطلاق المسجلة في البحرين خلال الفترة من 2022 وحتى نهاية 2025 بلغ 8134 حالة، مقابل 20321 عقد زواج، فيما حافظت معدلات الطلاق على مستويات مرتفعة نسبياً خلال الأعوام الـ4 الماضية، مع بروز لافت لحالات الانفصال في الزيجات طويلة الأمد، إلى جانب استمرار الطلاق المبكر خلال السنوات الأولى من الزواج.
وبحسب الأرقام الرسمية، ارتفع عدد حالات الطلاق تدريجياً من 1965 حالة في العام 2022 إلى 2030 حالة في 2023، ثم إلى 2073 حالة في 2024، قبل أن يتراجع بشكل طفيف إلى 2066 حالة في العام 2025، وهو تراجع محدود لا يغيّر من الصورة العامة التي تعكس استقراراً نسبياً عند معدلات مرتفعة مقارنة بحجم المجتمع وعدد عقود الزواج السنوية.
وتشير المؤشرات، إلى أن الطلاق في البحرين لم يعد يتركز في فئة عمرية أو مرحلة زمنية محددة من الحياة الزوجية، بل بات يمتدّ إلى مختلف الأعمار ومراحل العلاقة الأسرية، بما في ذلك الزيجات التي استمرت لأكثر من 15 عاماً، وهو ما يعكس تحولات اجتماعية تتجاوز الأسباب التقليدية المرتبطة بالخلافات المبكرة أو ضعف التوافق في السنوات الأولى من الزواج.
وتظهر البيانات أن الفئة العمرية من 26 إلى 35 عاماً سجلت النسبة الأعلى في حالات الطلاق، حيث بلغت حالات الطلاق بين الزوجات ضمن هذه الفئة 786 حالة خلال العام 2025، مقابل 761 حالة لدى الأزواج ضمن الفئة العمرية ذاتها.
وفي الفئة العمرية من 36 إلى 45 عاماً، بلغت حالات الطلاق بين الزوجات 557 حالة، بينما وصلت لدى الأزواج إلى 640 حالة، في حين سجل الأزواج فوق سن 45 عاماً نحو 518 حالة طلاق، مقابل 305 حالات لدى الزوجات من الفئة نفسها.
وخلال العام 2025 وحده، سجلت حالات الطلاق بعد أكثر من 15 عاماً من الزواج أعلى معدل بين مختلف الفئات الزمنية بواقع 500 حالة، أي ما يعادل نحو ربع إجمالي حالات الطلاق المسجلة خلال العام ذاته.
ويكشف تتبع الأرقام خلال السنوات الأربع الماضية عن منحنى تصاعدي واضح في هذا النوع من الطلاق، إذ سجلت الزيجات الممتدة لأكثر من 15 عاماً 407 حالات طلاق في 2022، ثم 441 حالة في 2023، و473 حالة في 2024، قبل أن تصل إلى 500 حالة في 2025.
الطلاق المبكر
وفي المقابل، لم تغب حالات الطلاق المبكر عن المشهد، إذ بلغ إجمالي حالات الطلاق خلال أول سنتين من الزواج 2673 حالة خلال الفترة من 2022 وحتى 2025، ما يعكس استمرار التحديات التي تواجه الأزواج الجدد وعدم قدرة بعض العلاقات على تجاوز السنوات الأولى.
كما سجلت الفئات المتوسطة من الحياة الزوجية حضوراً بارزاً في معدلات الطلاق، خصوصاً ضمن فئة 5 إلى 10 سنوات، التي سجلت 434 حالة في 2022 و436 حالة في 2023، قبل أن تتراجع إلى 375 حالة في 2024 و365 حالة في 2025.
وتشير هذه البيانات إلى أن التحديات الزوجية تتوزع على مختلف مراحل العلاقة، سواء في بدايات الزواج أو بعد سنوات طويلة من الارتباط، وهو ما يعكس وجود عوامل متعددة ومتشابكة تقف خلف ارتفاع معدلات الطلاق.
وعلى مستوى الجنسية، سجلت حالات الطلاق بين الأزواج البحرينيين والزوجات البحرينيات العدد الأكبر خلال 2025 بواقع 1472 حالة، مقابل 350 حالة بين بحرينيين وغير بحرينيات، و119 حالة بين بحرينيات وغير بحرينيين، و125 حالة بين غير بحرينيين من غير بحرينيات.
التحديات الاجتماعية والاقتصادية
وفي مقابل هذه المؤشرات المرتفعة للطلاق، سجلت البحرين 5690 عقد زواج خلال العام 2025، وهو أعلى رقم خلال السنوات الأربع الأخيرة، ما يعكس استمرار الإقبال على الزواج رغم التحديات الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة بالحياة الأسرية.
وعلى الرغم من هذا الارتفاع في عقود الزواج، إلا أن استمرار معدلات الطلاق عند مستويات مرتفعة يطرح تساؤلات حول مدى جاهزية المقبلين على الزواج للحياة الأسرية، ومستوى الوعي المرتبط بالحقوق والواجبات الزوجية وآليات التعامل مع الخلافات الأسرية.
وأكدت المحامية المختصة في قضايا الأسرة فوزية جناحي أن البحرين شهدت خلال السنوات الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً في حالات الطلاق، معتبرة أن هذه الظاهرة تستوجب معالجة متوازنة من الجوانب القانونية والاجتماعية والثقافية حفاظاً على استقرار الأسرة البحرينية.
وأوضحت أن من أبرز أسباب الطلاق ضعف الوعي الأسري قبل الزواج، وسوء الاختيار، وغياب الفهم الحقيقي للحقوق والواجبات الزوجية، إضافة إلى الضغوط الاقتصادية وتدخل بعض الأطراف الخارجية في الحياة الزوجية، فضلاً عن غياب الحوار والتفاهم بين الزوجين.
توقعات غير واقعية
وأضافت جناحي، أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت تلعب دوراً متزايداً في تعميق الخلافات الأسرية وخلق توقعات غير واقعية لدى بعض الأزواج، الأمر الذي يسهم في زيادة التوترات داخل الحياة الزوجية ويؤدي في بعض الحالات إلى الانفصال.
وأكدت أن عدداً كبيراً من القضايا المنظورة أمام المحاكم كان من الممكن احتواؤه مبكراً لو تم التعامل مع الخلافات الزوجية بطريقة عقلانية ومنظمة، مع اللجوء إلى مكاتب الإصلاح والتوجيه الأسري قبل الوصول إلى مرحلة التقاضي.
كما شددت على أهمية نشر الثقافة الأسرية لدى الشباب والفتيات قبل الزواج، مشيرة إلى ضرورة إدراج مادة دراسية متخصصة عن الزواج وحقوق وواجبات العلاقة الزوجية ضمن المناهج الجامعية، بما يسهم في بناء وعي مبكر بطبيعة الحياة الزوجية ومتطلباتها.
ودعت جناحي كذلك، إلى تطبيق دورات إلزامية للمقبلين على الزواج، على غرار التجربة الماليزية، بحيث يشترط اجتياز دورة تأهيلية قبل إتمام عقد الزواج، مؤكدة أن هذه الدورات تساعد في تزويد الأزواج بالمعرفة القانونية والاجتماعية والشرعية اللازمة لفهم طبيعة العلاقة الزوجية وكيفية إدارة الخلافات بشكل واع ومسؤول.
وأشارت إلى أن إلزامية هذه الدورات من شأنها أن تسهم في تقليل نسب الطلاق ورفع مستوى الوعي الأسري، إضافة إلى بناء أسر قائمة على التفاهم والشراكة الحقيقية بدلاً من الدخول في الحياة الزوجية دون إدراك كافٍ لطبيعة المسؤوليات المترتبة عليها.
أعظم الروابط
وقال أستاذ حقوق الإنسان بجامعة البحرين د. ياسر المحميد: «لا شك أن الزواج من أعظم الروابط الإنسانية والاجتماعية، وهو من سنن المرسلين، وقد حث عليه الإسلام ورغّب فيه لما يحققه من السكن والمودة والرحمة واستقرار الأسرة والمجتمع. وفي المقابل، فإن الطلاق وإن كان مشروعاً عند الحاجة، إلا أنه ليس الأصل في العلاقة الزوجية، بل هو آخر الحلول التي يُلجأ إليها بعد استنفاد وسائل الإصلاح والتوافق».
ومع ازدياد معدلات الطلاق في المجتمعات المعاصرة، تبرز الحاجة إلى الوقوف على أسبابه ودراستها دراسة واعية؛ سعياً إلى الحد من آثاره السلبية على الأسرة والأبناء والمجتمع. كما أن من المهم التنبيه إلى أن بعض حالات الطلاق المتداولة بين الناس لا تستوفي الشروط والأحكام الشرعية المعتبرة، فيظن الزوج أن الطلاق قد وقع، بينما قد يكون في حقيقة الأمر غير واقع شرعاً ولا تترتب عليه آثاره.
ومن أبرز أسباب الطلاق ضعف الالتزام بالقيم الإسلامية والأخلاق الإنسانية الرفيعة داخل الأسرة، والتهاون في المحرمات والمعاصي، فإن الاستقامة على أمر الله سبب للبركة والتوفيق، كما أن المعاصي تترك آثاراً سلبية على الحياة الزوجية واستقرارها، وتُضعف روابط المودة والثقة بين الزوجين.
كما أن سوء الاختيار قبل الزواج يعد من الأسباب المؤثرة في ارتفاع نسب الطلاق، ولا سيما عندما تُبنى العلاقة على اعتبارات عاطفية مجردة بعيداً عن معايير الدين والخلق والكفاءة والتوافق، أو عندما تسبق الزواج علاقات غير منضبطة تترك آثارها السلبية على استقرار الحياة الزوجية بعد ذلك.
ضعف الوعي
ومن الأسباب كذلك ضعف الوعي بطبيعة الحياة الزوجية ومتطلباتها؛ فكثير من الأزواج يدخلون الحياة الزوجية دون معرفة كافية بحقوقها وواجباتها، أو دون امتلاك المهارات اللازمة للتعامل مع الخلافات وتجاوز الأزمات، مع أن الحياة الزوجية بطبيعتها لا تخلو من التحديات التي تحتاج إلى الحكمة والصبر وحسن المعالجة.
وتسهم المقارنات المستمرة بالآخرين في تأجيج الخلافات الزوجية؛ إذ يقيس بعض الأزواج حياتهم بما يشاهدونه عند غيرهم أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي، متناسين اختلاف الظروف والإمكانات والقدرات، فينشأ من ذلك شعور دائم بعدم الرضا وتضخم التوقعات بصورة غير واقعية.
كما أن التدخلات السلبية من بعض أفراد الأسرتين قد تؤدي إلى تعقيد المشكلات الزوجية بدل حلها، خصوصاً عندما تُسلب من الزوجين مساحة اتخاذ القرار وإدارة شؤونهما الخاصة. فالأصل أن يُترك لهما قدر من الاستقلالية يمكنهما من بناء حياتهما ومعالجة خلافاتهما بأنفسهما، مع الاستفادة من النصح والمشورة عند الحاجة دون وصاية أو فرض للآراء.
إن الحد من ظاهرة الطلاق لا يكون بمجرد معالجة آثارها بعد وقوعها، بل يبدأ من ترسيخ القيم الدينية، وحسن الاختيار، والتأهيل الأسري قبل الزواج، ونشر ثقافة الحوار والتفاهم، وتعزيز المسؤولية المشتركة بين الزوجين. فكلما قويت هذه الأسس، ازدادت فرص نجاح الأسرة واستقرارها، وتحول الزواج إلى بيئة تحقق السكينة والمودة والرحمة التي أرادها الله تعالى لعباده.
حالة طبيعية
من جانبه، بيّن الوسيط الشرعي المعتمد الشيخ مجيد العصفور، أنه لا بد من النظر إلى الطلاق باعتباره حالة طبيعية موجودة في أي مجتمع من المجتمعات، مؤكداً أنه لا ينبغي القلق بصورة مبالغ فيها من وجود حالات الطلاق بحد ذاتها، لأن الوصول إلى مجتمع مثالي تنجح فيه جميع الزيجات أمر غير واقعي، إلا أنه شدد في الوقت ذاته على أن ارتفاع نسب الطلاق يستوجب التوقف والبحث عن حلول ومعالجات تسهم في إبقاء هذه الظاهرة ضمن حدودها الطبيعية والمعقولة.
وأوضح أن هناك مؤشرين إيجابيين برزا في رد وزارة العدل والشؤون الإسلامية والأوقاف على سؤال النائب جلال كاظم بشأن إحصائيات الزواج والطلاق في البحرين، معتبراً أن هذه المؤشرات تعكس وجود نتائج ملموسة للجهود المبذولة في مجال الاستقرار الأسري.
وبيّن العصفور أن المؤشر الإيجابي الأول يتمثل في ما كشف عنه الرد الرسمي بشأن نجاح مكاتب التوفيق الأسري في إنهاء نحو 40% من الحالات المحالة إليها بالتصالح بين الأطراف، رغم أن هذه الحالات كانت قد وصلت بالفعل إلى المحاكم ورفعت بشأنها دعاوى طلاق.
وأشار إلى أن الوصول إلى نسبة تقارب النصف من الحالات التي تنتهي بالإصلاح والتوافق يعد مؤشراً إيجابياً للغاية، لأنه يعني أن جزءاً كبيراً من الخلافات الزوجية لا يزال قابلاً للحل والمعالجة متى ما توفرت آليات الحوار والإصلاح المناسبة.
وأضاف أن المؤشر الإيجابي الثاني يتمثل في أن حالات الطلاق، مقارنة بعدد عقود الزواج خلال الفترة المشار إليها في الإحصائيات، لم تتجاوز نسبة 6%، معتبراً أن هذه النسبة تعكس أن معدلات الطلاق في البحرين لا تزال ضمن نطاق السيطرة، وأن الإجراءات التي اتخذتها الدولة للحد من تفاقم الظاهرة بدأت تحقق نتائج إيجابية.
وأشار إلى أن الخطط والاستراتيجيات التي وضعت للتعامل مع قضايا الطلاق والاستقرار الأسري تسير في الاتجاه الصحيح، وتؤكد وجود تحسن تدريجي في إدارة هذا الملف على المستوى الاجتماعي والمؤسسي.
3 مسارات رئيسة
وفي معرض حديثه عن سبل الحد من الطلاق، أوضح العصفور أن هناك 3 مسارات رئيسة ينبغي العمل عليها بصورة متوازية، لافتاً إلى أن البحرين تطبق هذه المسارات بدرجات متفاوتة، لكنها تحتاج إلى مزيد من الدعم والتطوير.
وأوضح أن المسار الأول هو المسار الوقائي، ويبدأ قبل الزواج، من خلال تكثيف التوعية والتثقيف للمقبلين على الزواج، سواء عبر المؤسسات الرسمية أو مؤسسات المجتمع المدني، بهدف تعريف الشباب والفتيات بحجم المسؤولية التي يقدمون عليها.
وأكد أن الزواج لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد علاقة شخصية أو حالة ترفيهية في حياة الإنسان، وإنما مشروع لتأسيس أسرة سيكون لها تأثير مباشر على تكوين الأجيال المقبلة وصياغة المجتمع مستقبلاً.
وقال إن زيادة مستوى الوعي لدى المقبلين على الزواج بعظمة هذه المسؤولية من شأنه أن ينعكس بصورة إيجابية على استقرار العلاقات الزوجية وتقليل احتمالات الانفصال مستقبلاً.
وأضاف العصفور، أن البحرين شهدت في فترات سابقة، قبل أكثر من عشرين عاماً، دورات وبرامج تثقيفية للمقبلين على الزواج كانت تنظمها جهات رسمية وأهلية، داعياً إلى إعادة النظر في تكثيف هذه الدورات خلال المرحلة الحالية، في ظل المتغيرات الاجتماعية والثقافية المتسارعة.
وأشار إلى أن وزارة العدل والشؤون الإسلامية والأوقاف، والمجلس الأعلى للمرأة، إضافة إلى المؤسسات الأهلية، تمتلك دوراً محورياً في تعزيز هذا الجانب من خلال تنظيم برامج توعوية وتأهيلية تسهم في إعداد الشباب للحياة الزوجية بصورة أكثر وعياً ونضجاً.
وبيّن أن المسار الثاني يتمثل في المسار العلاجي، أي التعامل مع الخلافات الزوجية بعد وقوعها، مشيداً بالإجراءات التي اتخذتها الدولة في هذا الجانب، ومنها إنشاء مكاتب التوفيق الأسري، إضافة إلى مكاتب الوسطاء الشرعيين المعتمدين.
وأوضح أن المجتمع لا يزال بحاجة إلى مزيد من التعريف بدور الوسطاء الشرعيين المعتمدين وآلية عملهم، لافتاً إلى أن بعض الأزواج قد لا يرغبون في اللجوء إلى مكاتب التوفيق الأسري بسبب طبيعتها الرسمية، أو خشيتهم من توثيق الخلافات في محاضر رسمية أو اطلاع الآخرين على تفاصيل مشكلاتهم الأسرية.
وأضاف أن وجود وسيط شرعي معتمد يوفر مساحة أكبر من الخصوصية والثقة، حيث يستطيع الزوج والزوجة الحديث بحرية عن أسباب الخلاف والمشكلات القائمة، بما يساعد على تقريب وجهات النظر والوصول إلى حلول وسط تسهم في استمرار الحياة الزوجية متى ما كان ذلك ممكناً.
وأشار إلى أنه حتى في الحالات التي يتعذر فيها استمرار العلاقة الزوجية، فإن دور الوسيط الشرعي يبقى مهماً في تقليل الآثار السلبية للانفصال، خصوصاً على الأبناء والنشء الجديد، بما يحفظ قدراً من الاستقرار الأسري والاجتماعي.
وأكد العصفور أن المسار الثالث هو المسار التنموي، من خلال النظر إلى الأسرة باعتبارها اللبنة الأساسية في عملية التنمية المجتمعية، مشيراً إلى أن مشروع الزواج لا يقتصر على كونه علاقة بين شخصين فقط، بل هو مشروع تنموي يرتبط بصورة مباشرة بارتقاء المجتمع واستقراره.
الجوانب الاجتماعية والتنموية
وأوضح أن بناء أسرة مستقرة ومتماسكة ينعكس على مختلف الجوانب الاجتماعية والتنموية، الأمر الذي يستوجب التعامل مع قضايا الزواج والطلاق باعتبارها جزءاً من مشروع التنمية الوطنية الشاملة.
وقال إنه في «حال جرى العمل على هذه المسارات الثلاثة بصورة متكاملة، مع وضع خطط واستراتيجيات واضحة لكل مسار، فإن ذلك سيسهم في الحد من ارتفاع حالات الطلاق وتعزيز الاستقرار الأسري بصورة أكبر خلال السنوات المقبلة».
وأكد العصفور أنه لا يرى حتى الآن مؤشرات خطرة بشأن معدلات الطلاق في البحرين، لكنه أشار في الوقت ذاته إلى أن التغيرات السريعة في وسائل التواصل الاجتماعي وما تفرضه من أنماط جديدة في العلاقات والتواصل، أدت إلى نشوء شخصيات وتوقعات مختلفة تتطلب جهوداً أكبر لتعزيز التفاهم والتعارف الحقيقي بين الزوجين داخل الحياة الأسرية.
وقالت الأكاديمية والكاتبة والباحثة الاجتماعية د. أحلام القاسمي: «على الرغم من البيانات الرسمية التي تظهر ارتفاعاً مطرداً في حالات الطلاق من عام لآخر، إلا أن معدل الطلاق في البحرين لا يزال منخفضة مقارنة بالمعدلات العالمية (6% فقط من إجمالي الأسر)»، عازية الأسباب الأساسية إلى ضعف التواصل الأسري، والضغوط الاقتصادية، وتغير الأدوار، وتدخل الأقارب، وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي.
الاستفادة من التجارب العالمية
وأضافت: «ترصد الحكومة سنوياً ميزانية كبيرة لدعم المطلقات والأسر المنفصلة، بينما تتفاقم الآثار النفسية والاجتماعية على الأطفال. لذلك، أقترح العمل على تشكيل لجنة وطنية لمتابعة هذه المشكلة، وإلزام المقبلين على الزواج بدورات تأهيلية في مهارات التواصل وإدارة الخلافات المالية، وتوسيع خدمات الإرشاد الأسري، والاستفادة من التجارب العالمية الناجحة للحفاظ على تماسك الأسرة البحرينية».
وأكد المستشار الأسري حمد الخان أن من أبرز الأسباب التي تقف اليوم وراء ارتفاع الخلافات الزوجية والطلاق، المشكلات المادية والضغوط الاقتصادية التي أصبحت تؤثر بصورة مباشرة على استقرار الأسرة والعلاقة بين الزوجين.
وأوضح الخان أن كثيراً من الأزواج باتوا يركزون بصورة مبالغ فيها على الكماليات والمظاهر الاجتماعية، إلى جانب التأثر الكبير بمحتوى وسائل التواصل الاجتماعي، وما تفرضه من مقارنات مستمرة ومحاولات تقليد للآخرين في نمط الحياة والمصاريف ومستوى المعيشة، الأمر الذي يخلق ضغوطاً إضافية على الأسرة تتجاوز أحياناً الإمكانات الحقيقية للزوج.
وأضاف أن بعض المشكلات تبدأ بسبب ارتفاع سقف المتطلبات الأسرية، مشيراً إلى أن هناك فرقاً بين الاحتياجات الواقعية والمنطقية، وبين المتطلبات التي تشكل ضغطاً يفوق قدرة الزوج وإمكاناته المادية، ما ينعكس سلباً على العلاقة الزوجية ويؤدي إلى توترات مستمرة داخل الأسرة.
وأشار إلى أن بعض الأزواج يلجؤون إلى تحميل الزوجة أعباء مالية كبيرة، سواء من خلال استهلاك راتبها بصورة كاملة أو مطالبتها بالمساهمة بنسبة مرتفعة في مصروفات المنزل، موضحاً أن بعض الحالات تصل إلى اعتماد الزوج بصورة شبه كاملة على دخل الزوجة في الجوانب المادية، وهو ما يولد خلافات متراكمة وشعوراً بعدم التوازن داخل العلاقة.
وأكد الخان أن النظرة السليمة للحياة الزوجية تقتضي أن يكون الزوج هو المسؤول الأساسي عن النفقة وتوفير الاحتياجات المعيشية للأسرة، بينما تبقى مساهمة الزوجة في المصروفات نوعاً من التعاون والكرم وليس التزاماً مفروضاً عليها.
التوازن والواقعية في الإنفاق
وفي المقابل، شدد على أهمية مراعاة الزوجة للظروف المادية التي يمر بها الزوج، وعدم تحميله ما يفوق طاقته، قائلاً إن الأسرة تحتاج إلى ثقافة التوازن والواقعية في الإنفاق، بعيداً عن التأثر بالموضة والترندات والمظاهر الاستهلاكية ومحاولات تقليد الآخرين.
وبيّن الخان أن السبب الثاني الذي يقود إلى كثير من حالات الطلاق يتمثل في سوء الاختيار منذ البداية، موضحاً أن بعض الفتيات يركزن بصورة أساسية على مظهر الشاب أو منصبه أو وضعه الاجتماعي، مع إهمال الجوانب الأهم المرتبطة بالأخلاق والدين والسمعة والاستعداد الحقيقي لتحمل مسؤولية الزواج.
وأضاف أن الأمر ذاته ينطبق على بعض الشباب الذين يركزون فقط على الجمال أو يدخلون في علاقات غير سليمة ثم يحاولون تحويلها إلى زواج دون دراسة حقيقية لمدى التوافق أو الجاهزية النفسية والاجتماعية لبناء أسرة مستقرة.
وأشار إلى أن كثيراً من المقبلين على الزواج لا يعطون أهمية كافية لمسألة فهم طبيعة الرجل والمرأة والاحتياجات النفسية لكل طرف، إضافة إلى أهمية الاستعداد لتحمل مسؤولية تربية الأبناء وبناء حياة مشتركة قائمة على التفاهم.
التروي في الاختيار
وأوضح الخان أن العلاج في هذا الجانب يبدأ من التروي في الاختيار، والبحث والسؤال وجمع المعلومات عن الطرف الآخر، مع التركيز بصورة أكبر على الدين والأخلاق والقدرة على تحمل المسؤولية والاستعداد النفسي والاجتماعي للزواج.
وأكد أهمية منح فترة التعارف الشرعية والعائلية الوقت الكافي، بحيث يتمكن الطرفان من الوصول إلى قدر مناسب من التفاهم حول شكل الحياة المستقبلية وطبيعة العلاقة والأهداف المشتركة.
وقال إن الإنسان قد لا يستطيع معرفة الطرف الآخر بصورة كاملة بنسبة 100% قبل الزواج، لكن الوصول إلى درجة معقولة من الفهم والتقارب، حتى وإن كانت بنسبة 60 أو 70%، يبقى أفضل من الدخول في العلاقة دون أي معرفة حقيقية.
وأضاف أن السبب الثالث يتمثل في الإهمال العاطفي والإنساني بين الزوجين، موضحاً أن بعض الأزواج لا يمنحون الزوجة الوقت الكافي ولا يراعون مشاعرها أو احتياجاتها النفسية بسبب الانشغال الدائم أو عدم الاهتمام الكافي بالحياة الأسرية.
وفي المقابل، أشار إلى أن بعض الزوجات قد يقعن أيضاً في إهمال العلاقة الزوجية، من خلال التركيز المفرط على الأهل أو الصديقات أو الاهتمامات الشخصية والهوايات، مع إهمال احتياجات الزوج ومتطلبات العلاقة الأسرية.
وأوضح أن غياب الاهتمام المتبادل يولد مع الوقت حالة من الجفاف العاطفي والشعور بعدم التقدير، وهو ما ينعكس سلباً على استقرار الحياة الزوجية.
كما اعتبر الخان أن غياب الحوار والتواصل بين الزوجين يمثل سبباً رئيسياً آخر في تصاعد الخلافات، مشيراً إلى أن تراكم المشكلات الصغيرة وعدم مناقشتها بصورة مباشرة يؤدي إلى تضخمها مع مرور الوقت.
الملفات المفتوحة
وقال إن بعض الأزواج يتركون الخلافات مفتوحة دون حلول، وهو ما وصفه بـ”الملفات المفتوحة”، مؤكداً ضرورة معالجة أي مشكلة أولاً بأول وعدم تركها تتراكم حتى تتحول إلى أزمة يصعب احتواؤها لاحقاً.
وأضاف أن من المهم ألا يستمر الخلاف بين الزوجين لفترات طويلة دون حوار، مشدداً على ضرورة تخصيص وقت للنقاش والتفاهم والتعبير عن المشاعر بصورة مستمرة.
وأشار إلى أن من الحلول المهمة أيضاً تعزيز الاهتمام المتبادل داخل الأسرة، من خلال تخصيص وقت حقيقي للعلاقة الزوجية، مبيناً أن الحياة الأسرية تحتاج إلى نوع من التوازن بين الحياة الخاصة لكل طرف والحياة المشتركة بين الزوجين.
وأوضح أن هناك ما يمكن وصفه بـ»الدوائر الثلاث» في الحياة الزوجية، حيث توجد دائرة خاصة بكل طرف تشمل اهتماماته وأصدقاءه وعلاقاته الشخصية، ودائرة خاصة بالطرف الآخر، إلى جانب دائرة مشتركة تجمع الزوجين والأسرة.
وبيّن أن هذه الدائرة المشتركة تحتاج إلى عناية مستمرة، سواء من خلال تخصيص وقت خاص للزوجين بعيداً عن الضغوط اليومية، أو عبر قضاء أوقات مشتركة مع الأبناء والأسرة وتعزيز الجوانب العاطفية والإنسانية داخل المنزل.
وأكد أن من المهم أن يحرص الزوجان على الاستماع لبعضهما البعض والتعبير عن المشاعر والاهتمام بالتفاصيل الصغيرة التي تعزز التقارب والاستقرار الأسري.
وأضاف الخان أن من الأسباب المهمة كذلك ضعف الوعي بالحقوق والواجبات بين الزوجين، موضحاً أن بعض الشباب والفتيات ينظرون إلى الزواج باعتباره مرحلة عمرية لا بد من الوصول إليها فقط، دون إدراك حقيقي لحجم المسؤوليات التي تترتب على الحياة الزوجية.
وأشار إلى أن بعض الخطابات المنتشرة حالياً تسهم في تخويف الشباب والفتيات من الزواج بصورة مبالغ فيها، مؤكداً في المقابل أهمية التوازن في التعامل مع هذه القضية، بعيداً عن التهويل أو التقليل من أهمية المسؤولية الأسرية.
وأوضح أن التوازن يمثل المفتاح الأساسي لنجاح العلاقة الزوجية، من خلال قدرة الإنسان على تنظيم حياته بين العمل والأسرة والاهتمامات الشخصية والعلاقات الاجتماعية بصورة متوازنة.
الاعتدال والتفاهم
وقال إن الزوج أو الزوجة بحاجة إلى فهم أن لكل إنسان حياته الخاصة واهتماماته، لكن في الوقت ذاته هناك مسؤوليات أسرية وحقوق متبادلة تحتاج إلى وقت واهتمام والتزام.
وأكد أن علاج هذه المشكلات يبدأ بالوعي والسؤال والتثقيف والتعلم، إلى جانب فهم الحقوق والواجبات بصورة صحيحة، مع مراعاة قدرات الإنسان وظروفه، مشيراً إلى أن الحياة الزوجية الناجحة تقوم على الاعتدال والتفاهم والتوازن بين مختلف جوانب الحياة.
وأوضحت أستاذة علم الاجتماع المشارك بجامعة البحرين د. موزة عيسى الدوي إن الملاحظات الميدانية ونتائج البحوث الاجتماعية تشير إلى أن الطلاق ليس وليد لحظة عابرة، ولا هو حدث معزول يولد من فراغ، بل يمثل نتيجة حتمية لقطار طويل من التراكمات السلوكية والجوهرية التي أخفق الطرفان في احتوائها وتفكيكها. وإذا قاربنا هذه الظاهرة بوعي أكاديمي نجد أن جذور هذه الانكسارات تعود في كثير من الأحيان إلى مرحلة ما قبل عقد القران، حيث تٌختزل فترة الخطوبة في بروتوكولات ومظاهر شكلية، دون فحص ممتد للتكافؤ النفسي، والقيمي، والمعرفي بين الطرفين، وإهمال مناقشة المبادئ الأساسية لإدارة الأسرة، مما يجعل قواعد العلاقة هشة لا تقوى على الصمود أمام أول اختبار حقيقي.
وقالت إن هذا الخلل في فهم طبيعة الزواج يفسر لماذا يقبل الكثير من الشباب والفتيات اليوم على تجربة الزواج بمتخيلات رومانسية مفرطة وتوقعات عالية صاغتها الدراما والفضاء الرقمي، حيث تصور الحياة كحالة شغف دائم ورحلة ترفيهية بلا كدر، وبمجرد الاصطدام السريع بالالتزامات المادية الروتينية، ومصاريف المعيشة الفعلية، ومسؤوليات التربية، تتلاشى هذه الصور الوردية، كاشفة عن غياب الجاهزية النفسية والعملية لإدارة واقع الشراكة.
تحولات عميقة
وأضافت أن هذا التحدي يتكامل مع أزمة نمطية في إدارة الموارد المالية والتكيف مع معايير المجتمع الاستهلاكي، إذ لم تعد المشكلة مقتصرة على قلة الدخل، بل في الركض المحموم وراء التفاخر الاجتماعي، والاندفاع لمجاراة الآخرين في كماليات استهلاكية تفوق الطاقة الاستيعابية لميزانية الأسرة الناشئة، كحفلات الزفاف الباذخة وتكاليف السفر، مما يغرقها في الديون منذ خطوتها الأولى، ويتحول هذا العبء المادي سريعاً إلى توتر ونكد يومي يستنزف طاقة الصبر ويخلق مشاحنات مستمرة. وتزداد هذه المعادلات تعقيداً في ظل التحولات العميقة التي شهدها المجتمع الحديث والمتمثل في الطفرة الواسعة لتعليم المرأة وخروجها الفاعل لسوق العمل، وتحملها جزءاً من المسؤولية الاقتصادية، فبالرغم من التقدير المجتمعي لهذا الدور التنموي، إلا أن التحدي الفعلي بات يكمن في إشكالية إدارة الوقت، وغياب المرونة في إعادة توزيع المسؤوليات، وتنسيق الأدوار داخل البيت، مما يولد إجهاداً نفسياً وتصادماً حول آليات صنع القرار المشترك.
وتابعت: «ومن المنظور التحليلي السوسيولوجي نجد أيضاً تفككاً في خصوصية الأسرة الناشئة بسبب اختراقها، حيث يؤدي السماح للأقارب وعائلات المصاهرة بالاطلاع على تفاصيل الخلافات اليومية إلى سحب السرية من البيوت، وبدلاً من احتواء المشكلة في مهدها، يدخل كبرياء العوائل كطرف في النزاع، فيتحول الخلاف البسيط إلى معركة عناد وتحد تغلق أبواب التفاهم الودي، وينتهي هذا المسار عاطفياً بنوعين من الاستجابات الهشة، فإما الانسحاب الصامت والبرود العاطفي الذي يؤجل المواجهة حتى يفيض الكيل، وإما تحول النقاشات إلى صراخ وتبادل للاتهامات والتجريح، وهو أسلوب يخرج العلاقة من سياق السكن والمودة إلى نفق الندية والمغالبة».
وبيّنت أنه حين يسقط الاحترام المتبادل، يتهاوى البناء الأسري بالكامل. ولا يمكن إغفال أبعاد أكثر عمقاً وخطورة تصدم واقع المحاكم اليوم، وفي مقدمتها الاضطرابات السلوكية المستحدثة، كالإدمان الرقمي والانفصال عن الواقع، وصولاً إلى آفة المؤثرات العقلية والمواد التخليقية المستجدة التي تدمر الأهلية النفسية والعقلية للشريك، وتنتج سلوكيات عنيفة واضطهاداً يسقط معه مفهوم الأمان الأسري تماماً وتستحيل معه العشرة.
مهارات التفاوض وإدارة الأزمات
وأشارت إلى أنه بجانب هذه العوامل، يبرز تحدي غياب القدوة التفاعلية فكثير من الزيجات الناشئة تفتقر إلى نماذج حية تتعلم منها مهارات التفاوض وإدارة الأزمات، مما يجعل الشريكين في مواجهة مباشرة مع مشكلات دون خريطة طريق واضحة. يضاف إلى ذلك طغيان النزعة الفردانية المعاصرة التي تكرس ثقافة الأنا وتجعل من فكرة التنازل أو التضحية مؤشراً على الضعف، بدلاً من كونها ركيزة للبناء، وهو ما يعزز سرعة التخلي عن العلاقة بمجرد ظهور أولى علامات التعقيد، انطلاقاً من منطق الاستبدال لا الإصلاح.
وأكدت أنه بناء على هذا التشخيص، يتضح أن الطلاق ليس مجرد مشكلة فردية بين زوجين، بل هو محصلة لتشابك عوامل ثقافية، واقتصادية، ورقمية معاصرة، مما يفرض ضرورة الانتقال من الحلول التقليدية الودية، إلى صناعة وعي مؤسسي وقائي يبدأ من عمق فترة الخطوبة، ويحمي هذه المؤسسة البنيوية من الهشاشة قبل أن تبدأ.
وعن وقوع الطلاق خلال سنوات الزواج الأولى، أكدت د. الدوي أن الوقائع الميدانية والممارسة الواقعية أظهرت أن السنوات الأولى للزواج هي الأكثر حرجاً، إذ يشكل العام الأول اختباراً سيكولوجياً حقيقياً يعرف بصدمة الواقع الزواجي. فالأزمة تكمن في الاصطدام الفوري والمباشر بين التوقعات المثالية المسبقة ومتطلبات العيش المشترك، حيث يدخل الشريكان بوعي مشحون بصور نمطية وافتراضية عن الشراكة، وبمجرد زوال هالة المظاهر الاحتفالية الأولى، يجدان أنفسهما أمام استحقاقات يومية وتفاصيل سلوكية معقدة تتطلب تنازلات لم يتم التدرب عليها مسبقاً، فيتحول العجز عن صهر الفردانية والاعتياد على نمط العزوبية إلى صراع مبكر حول قيادة السفينة وإثبات الذات.
المرونة النفسية
وأوضحت أن هذه البيئة التفاعلية المتوترة سرعان ما تنفجر عند أول اختبار حقيقي يتعلق بإدارة التدفقات المالية للمعيشة اليومية، فالكثير من الزيجات المعاصرة تبدأ تحت وطأة أعباء اقتصادية ثقيلة وديون استهلاكية تراكمت لتلبية رغبات المظاهر، ليجد الزوجان نفسيهما في مواجهة شح الموارد مبكراً، وهو ما يسقط بريق التوقعات الوردية ويفجر أزمات حادة حول أولويات الإنفاق. هذا العجز عن التفاوض والتدبير يتزامن مع غياب قنوات الاتصال الفعال حيث تنعدم المرونة النفسية في احتواء الاختلافات الطباعية الأولى، ويصبح اللجوء السريع للطلاق كحيلة دفاعية سهلة للهروب من أعباء الالتزام، بدلاً من بذل الجهد التراكمي لبناء النضج المشترك.
وقالت: «يضاف إلى هذه العوامل، تراجع ثقافة الصبر في التعامل مع الخلافات إذ لم تعد القدرة على التأني والتجاوز تقدر كقيمة أساسية لاستمرار الأسرة، بل بات الاستعجال في حسم المشكلات بالانفصال هو الخيار الأسهل. هذا التوجه يتغذى على نمط الحياة المتسارع الذي يعزز رغبة الأفراد في الحصول على نتائج فورية، ويجعل من الصعب على الزوجين تقبل فترات الشد والجذب التي تمر بها أي علاقة إنسانية. يفاقم من ذلك الصراع بين رغبة كل طرف في إثبات شخصيته، وبين الحاجة للتنازل المشترك حيث يميل الشريكان في ظل غياب الحوار الهادئ إلى التمسك برأيهما، بدلاً من البحث عن مساحة تفاهم مشترك».
وأضافت أنه من جانب آخر، يبرز في هذه السنوات المبكرة الاستخدام الكثيف للفضاء الرقمي، ليس كأداة تواصل بل كملاذ تعويضي وافتراضي للهروب من مواجهة متطلبات الواقع، مما يؤدي إلى حالة من الانفصال الوجداني المبكر داخل المنزل الواحد، فضلاً عما تفرزه المقارنات البصرية من مشاعر الإحباط وعدم الرضا عن الشريك. وعندما يفتقر الزوجان في مستهل طريقهما إلى مهارة الحوار العقلاني والسرية، ويقومان بتصدير مشاحناتهما الأولى إلى الدائرة العائلية، تسقط السرية عن بيتهما الناشئ، ويتحول التدخل الأسري غير الرشيد والمبني على الفزعة العاطفية والانحياز غير الموضوعي إلى وقود يعمق الندية ويضخم الأزمة، دافعاً بالعلاقة الناشئة نحو نهايتها المتسرعة قبل أن تبدأ في تشكيل جذورها.
صدمة التحول الجذري
وتابعت: «إلى جانب ما سبق، يمكن إرجاع الطلاق في السنوات الأولى إلى ما نسميه صدمة التحول الجذري، فالشباب اليوم ينتقلون من حياة قائمة على المركزية الذاتية وتلبية الرغبات الشخصية الفورية، إلى حياة قائمة على التشاركية المستمرة، هذا التحول المفاجئ في نمط الحياة يتطلب قدرات عالية على التكيف النفسي وتأجيل الرغبات، وهو ما يفتقده الكثيرون بسبب اعتيادهم على سرعة وتيرة الحياة الرقمية. فالزواج في السنوات الأولى ليس مجرد رحلة عاطفية، بل هو مختبر مهارات حياتية يتطلب صبراً، مرونة، وقدرة على التنازل عن جزء من استقلالية الفرد لصالح استقرار الجماعة. عندما يغيب هذا الوعي بضرورة النمو المشترك، يتحول أي اختلاف في الرأي أو تضارب في الأولويات إلى تهديد للكيان، مما يولد رغبة هروبية لدى الطرفين، حيث يرى كل منهما في الانفصال طريقاً للعودة إلى منطقة الراحة السابقة التي كان يمارس فيها فردانيته دون قيود».
وعن دور الأسرة والأقارب في إنهاء الخلافات الأسرية، أكدت أن الأهل والأقارب يمثلون صمام الأمان الأول لحماية السلم العائلي، فهم يمتلكون رصيداً تاريخياً واجتماعياً لا يمكن لأي مؤسسة رسمية أن تحل محله بالكامل. ومع ذلك ولكي يستعيد هذا الدور أثره الإيجابي في ظل تعقيدات المجتمع المعاصر، لا بد أن يتحول من الارتجال العاطفي إلى تبني منهجية الحياد الموضوعي.
وأشارت إلى أنه بجانب هذا الدور التوجيهي في وقت الأزمات، تبرز أهمية الرقابة الوقائية الهادئة، حيث يقع على عاتق كبار الأسرة دور توجيهي غير مباشر يرتكز على تعزيز الثقافة الزوجية قبل وقوع الصدام. هذا الدور يبدأ من تشجيع الزوجين في بدايات حياتهما على ممارسة الحوار الصريح المستقل، وتعزيز قيم التفاهم الذاتي بعيداً عن التدخلات اليومية، فالأسرة التي تنجح في زرع استقلالية القرار لدى الزوجين منذ البداية، هي التي تحميهما من الانزلاق في أزمات التبعية للرأي العائلي لاحقاً، مما يجعل من التدخل في حالة وقوع خلاف تدخلاً استشارياً تقويمياً يهدف لتقريب وجهات النظر، لا لفرضها.
وقالت إن الأزمة الحقيقية التي تجهض مساعي الصلح اليوم هي الانحياز العاطفي التلقائي لصف الابن أو الابنة دون تقصٍّ للحقائق، فهذا المسلك الدفاعي يغذي العناد، ويقحم كبرياء العوائل طرفاً في النزاع، فيتحول الخلاف البسيط إلى معركة تحد يصعب التراجع عنها.
التدخل الرشيد
وأضافت أن التدخل الرشيد يفرض استحضار منهجية الاستماع المتوازن لكلا الطرفين، وفي فضاء من السرية المطلقة والتكتم على تفاصيل الحياة اليومية، ليكون الهدف الأسمى هو صيانة مصلحة الكيان الأسري واستمراره، وحماية استقرار الأبناء. هذا الدور الحمائي يتطلب أيضاً وعياً عميقاً من كبار الأسرة بحدود قدراتهم الإصلاحية، فكثير من الفجوات اليوم تعود لجذور معقدة، كأزمات الصحة النفسية، أو الاضطرابات السلوكية المرتبطة بالإدمان الرقمي، أو المعضلات المالية والقانونية الشائكة التي تتجاوز حدود النصح التقليدي والكلام الودي المجرد.
وتابعت: «هنا بالتحديد تتجلى حكمة الكبار في امتلاك شجاعة التوجيه، وإقناع الزوجين بلطف بمراجعة جهات الإرشاد الأسري المعتمدة، والاستفادة من المبادرات التوعوية والبرامج الوقائية التي تطرحها المؤسسات المتخصصة في التثقيف الأسري والمالي. إن الإصرار على فرض حلول عشوائية أو الضغط باجتهادات شخصية قاصرة مبنية على تجارب جيلية سابقة قد لا تتسق مع واقع اليوم، لا يؤدي إلا إلى تعقيد الموقف وتسريع وتيرة الانفصال والوصول بالعلاقة نحو طريق مسدود».
وشددت على أن حكمة الأهل الحقيقية اليوم لم تعد تقتصر على تقديم الوعظ، بل في التحول إلى جسر عبور آمن يربط الأسرة الناشئة بالمنظومة المؤسسية المختصة. هذا التكامل هو ما يضمن تحويل التدخل العائلي من مجرد فزعة عاطفية مؤقتة، إلى ركيزة وعي وقائية تدعم تماسك واستقرار البيت، وتضع المؤسسة الزوجية في مسارها الصحيح بعيداً عن التجاذبات العائلية.
وعن دور وسائل التواصل الاجتماعي في تعميق الخلافات الأسرية، أوضحت د. الدوي أن وسائل التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد منصات عابرة، بل باتت هي اللاعب الصامت الذي يعيد تشكيل علاقاتنا الإنسانية، معتبرة أن الخطر الحقيقي الذي يواجه بيوتنا اليوم ليس في التكنولوجيا ذاتها، بل في الانفصال الرقمي الصامت، ذلك الذي يباعد بين الشريكين بينما هما يتقاسمان المكان نفسه. هذا الاغتراب يتفاقم مع فخ المقارنة المعيارية، حيث تتحول صور الحياة المثالية والمصطنعة إلى مقياس زائف يولد شعوراً مزمناً بعدم الرضا، ويدفع بالأسر الناشئة نحو استهلاك تفاخري يستنزف الميزانيات، ويحول التفاصيل اليومية البسيطة إلى وقود لنزاعات بنيوية لا تهدأ.
قواعد رقمية بين الزوجين
وقالت: «هنا، تبرز أهمية الاتفاق على قواعد رقمية بين الزوجين، حيث يبدأ الحل بوضع حدود واضحة لاستخدام هذه المنصات، وتخصيص أوقات حقيقية للحياة بعيداً عن شاشات الهاتف، لضمان أن تبقى التكنولوجيا وسيلة لتقريب المسافات، لا لزيادة الفجوة بينهما».وبيّنت أنه في قلب هذا المشهد الرقمي المضطرب، يجد الأهل أنفسهم أمام اختبار حقيقي لدورهم التاريخي كصمام أمان، لكن المعضلة التي نكشف عنها اليوم هي تحول هذا الدور بحسن نية أحياناً إلى عامل يفاقم الأزمة فالانحياز العاطفي التلقائي الذي يغيب الموضوعية ويقحم كبرياء العوائل في حسابات النزاع، يسحب من البيت حصانته وخصوصيته. إن التدخل الذي يكتفي بتبني وجهة نظر أحد الطرفين، أو يخرج تفاصيل الخلافات إلى المجالس العامة، لا يحل المشكلة، بل يحولها إلى معركة ندية يصعب كسر عنادها، وهو ما يسرع للأسف في دفع العلاقة نحو طريق مسدود.
وأكدت أن الحكمة في مواجهة هذه المعضلات الرقمية لم تعد تعني تقديم الوعظ التقليدي، بل تفرض اعترافاً شجاعاً بحدود القدرة الإصلاحية العفوية. فمشكلات العصر كالإدمان الرقمي، والاضطرابات السلوكية المرتبطة به، والتعقيدات المالية الشائكة هي قضايا ذات أبعاد متداخلة تتجاوز حدود الجلسات الودية العابرة. وهنا، يبرز دور الأهل كجسر عبور فبدلاً من فرض اجتهادات جيلية قد لا تستوعب تعقيدات العصر، يصبح الأهل هم الحصن الذي يوجه الأبناء نحو المسارات المؤسسية المختصة
وأضافت أن التحول النوعي في التدخل العائلي يرتكز اليوم على ربط الأسرة الناشئة بالمنظومة المؤسسية المختصة، سواء عبر الاستفادة من مكاتب التوفيق والصلح الأسري، أو الانخراط في المبادرات الوقائية والبرامج التثقيفية التي ترعاها الجهات الرسمية والأهلية المعنية. إن هذا التكامل بين حكمة الأهل والحلول المؤسسية المتخصصة هو السبيل الوحيد لضمان استدامة الاستقرار في البيت، وتوفير مظلة أمان حقيقية تحمي الأسرة من التصدعات الرقمية، وتضعها على مسار سليم يتجاوز عثرات الواقع ويفهم لغة العصر.
التحول السوسيوثقافي
وأوضحت أن الدعوة لمأسسة برامج تأهيل المقبلين على الزواج وتحويلها إلى متطلب أساسي، هي موقف ينطلق من قناعة راسخة بكونها ضرورةً استراتيجية يفرضها واقع الأمن المجتمعي، لا مجرد إجراء تنظيمي عابر. ففي ظل ديناميكيات التحول السوسيوثقافي المعاصر، لم تعد التنشئة التقليدية أو الخبرة الجيلية الموروثة كافية لتأسيس حياة زوجية مستقرة، إذ بتنا أمام واقع يفرض أمية معرفية تجعل من الارتباط مغامرة غير محسوبة، من هذا المنطلق أرى أن المأسسة هنا ليست إجراء كمالياً بل هي خط دفاع وقائي يسهم في تحصين البناء المجتمعي، عبر تسليح أطراف العلاقة بحقائب معرفية تتقاطع فيها أبعاد علم الاجتماع وعلم النفس والمنظور الإرشادي، لتنتقل بالأسرة من العفوية في التأسيس إلى الوعي بالمسؤولية.
وقالت إن هذا المسار إذا ما نظر إليه بعين الفاحص يقوم على ثلاثة أعمدة رئيسية: أولها التأسيس القانوني، حيث تتحول الثقافة التشريعية من نصوص جامدة إلى وعي استباقي يمنع اصطدام الزوجين بضبابية الأدوار، ويحمي خصوصية البيت من الصدامات الناتجة عن مفاهيم مغلوطة حول طبيعة الشراكة.
وأضافت أن العمود الثاني فهو المرونة السلوكية حيث تفسر الدراسات فشل الأطراف في التكيف بالانتقال المتعثر من فردانية العزوبية إلى مسؤولية الشراكة. التدريب هنا هو جسر عبور يردم الفجوة الاتصالية، ويزود الشريكين بآليات الحوار الفعال وإعادة صياغة التوقعات المثالية إلى أهداف واقعية، مما يحمي البيوت من الندية التصادمية والبرود العاطفي.
شراكة حقيقية
وأكدت أن هذه الدورات تساعد الزوجين على فهم طباع بعضهما بشكل أعمق، فكثير من أزمات الطلاق تنبع من عادات وطرق تربية لم ينتبه لها الشريكان قبل الزواج. هذه البرامج توفر فرصة صريحة للحديث والمصارحة، مما يساعد المقبلين على الزواج في معرفة مدى توافقهم في أهدافهم الكبرى، وتحويل نظرتهم للزواج من مجرد مشاعر عاطفية إلى شراكة حقيقية مبنية على فهم الذات وفهم الطرف الآخر.
وتابعت: «العمود الثالث، وهو الأكثر إلحاحاً، هو الوعي المالي فالنمط الاستهلاكي الباذخ الذي تفرضه ثقافة المظاهر الافتراضية يضع الأسرة في فخ القروض منذ اللحظة الأولى. إن غرس ثقافة الادخار الرشيد وتحديد أولويات الإنفاق المشترك ليس مجرد نصيحة اقتصادية، بل هو صمام أمان يمنع ارتداد الضغوط المادية على شكل توترات يومية تستنزف طاقة الصبر».
وأشارت إلى أن ربط هذه الدورات بالمسار الرسمي ليس إجراء إدارياً شكلياً، ولا يهدف إلى تثقيل كاهل الزوجين، بل هو سعي لتوفير مظلة وقائية، ورسم خريطة طريق واعية تحمي بيوتنا من قرارات الطلاق المتسرعة. إن الرهان هنا ليس على النصوص القانونية وحدها، بل على ذلك التكامل بين الجهود المؤسسية وبين وعي الفرد، فهذا هو الضمانة الفعلية لنقل الزواج من حالة المصادفات العفوية إلى المؤسسة الواعية القائمة على المودة. الهدف ليس فرض قيود، بل بناء وعي أسري متين، يمتلك القدرة على الصمود في وجه تحديات العصر، ويحفظ للأسرة تماسكها بعيداً عن التفكك.
وعن دور مكاتب التوفيق الأسري ونجاحها في إنهاء الخلافات الأسرية والقضايا، أكدت أن تجربة مكاتب التوفيق الأسري بوزارة العدل والشؤون الإسلامية والأوقاف، بالشراكة مع المجلس الأعلى للمرأة، تعد نموذجاً حضارياً للعدالة التصالحية في البحرين. إن نجاح هذه المكاتب لا يختزل في إحصاءات الصلح، بل يكمن في قدرتها على أنسنة النزاع، إذ عملت على نقل الخلافات من أروقة المحاكم التي تفرض بطبيعتها نمطاً تصادمياً قد يعمق الفجوة بين الأطراف، إلى فضاءات آمنة تحمي الخصوصية. هنا يلتقي أطراف النزاع مع خبراء يملكون أدوات علمية لتفكيك الجذور العميقة للخلاف، والتي غالباً ما تنبع من فجوات اتصالية أو ضغوط اقتصادية فرضها النمط الاستهلاكي المعاصر، بدلاً من الدخول في صراعات مادية تزيد من حدة التباعد وتنهي أواصر المودة.
الطلاق الآمن
وقالت إن الدور المحوري لهذه المكاتب يتجاوز المعالجة التقليدية، فهي تمارس هندسة دقيقة للطلاق الآمن حينما تصبح العشرة مستحيلة. فإذا ما أثبتت المؤشرات التفاعلية أن استمرار الحياة الزوجية بات تهديداً للصحة النفسية لأفراد الأسرة، تتولى المكاتب صياغة تسوية ودية ملزمة قانونياً، تضمن حقوق المرأة والأطفال بعيداً عن سنوات التقاضي الطويلة. هذا الترتيب الممنهج ليس مجرد إجراء إداري، بل هو ترتيب حضاري يحفظ للأبناء أمانهم النفسي، ويصون كرامة الأطراف حتى في لحظات الانفصال.
وأضافت أن هذه الثمرة الملموسة هي محصلة مباشرة لتكامل المنظومة التشريعية وعلى رأسها قانون الأسرة مع المبادرات الوطنية الرامية لتمكين استقرار المجتمع. ومع ذلك فإن القراءة التحليلية لهذا الواقع تدفعنا للقول بأن الرهان الحقيقي لا يكمن في إدارة الأزمات فحسب، بل في الانتقال بالعمل الأسري إلى مربع التحصين المعرفي المبكر. إن استقرار الأسرة البحرينية لا يرتكز على العقود القانونية بقدر ما يعتمد على الصلابة النفسية والوعي التفاعلي، فالأسرة كيان حي ومنظومة قيمية لا تحمى بالتدخل المتأخر، بل بالتأسيس الاستباقي.
وختمت د. الدوي بالتأكيد على استدامة الأسرة في مواجهة تقلبات العصر تستوجب البناء المستمر على ما تحقق من مكتسبات وطنية رائدة، لا سيما تلك النماذج الحضارية للعدالة التصالحية التي تقدمها مكاتب التوفيق الأسري بالشراكة مع المجلس الأعلى للمرأة. إن هذا الدور المؤسسي الفاعل ليس مجرد إجراء إداري، بل هو صمام أمان اجتماعي يتطلب شراكة مستدامة مع كافة المؤسسات المهنية المعنية بالعلوم الاجتماعية والنفسية. إننا أمام استحقاق وطني يفرض علينا الانتقال بالأسرة البحرينية من نهج المعالجة العفوية إلى استراتيجية وقائية مؤسسية متكاملة، تكون فيها الخبرة المؤسسية، والمعرفة، والحصانة النفسية والاجتماعية، هي حائط الصد الأول الذي يحمي تماسك بيوتنا، ويضمن استقرار مجتمعنا في مسار آمن ومستدام.
استقرار الأسر البحرينية
وكان وزير العدل والشؤون الإسلامية والأوقاف نواف المعاودة، بيّن في رده على سؤال نيابي أن نسبة حالات الطلاق من الزيجات التي تمت في السنوات الثلاث الأخيرة 6% فقط، أما بقية حالات الطلاق، فهي تعود للسنوات السابقة، وهذا يبعث رسالة للمجتمع البحريني عن مدى استقرار الأسر البحرينية، ما يعني أن معدل الطلاق لدينا منخفض، وأكد أن مؤشر 6% مؤشر إيجابي، ويعكس روح الأسرة البحرينية، كما أن ليس كل القضايا التي تذهب للمحكمة يكون مصيرها الطلاق، فجزء كبير منها يحل في مكتب التوفيق الأسرى.
وفي جانب آخر، أظهرت البيانات الرسمية المتعلقة بمكتب التوفيق الأسري أن المكتب تعامل مع نحو 2934 حالة خلال ثلاث سنوات، موزعة على 911 حالة في 2023 و1164 حالة في 2024 و859 حالة حتى نوفمبر 2025.
كما تمت إحالة 4336 ملفاً إلى المحاكم بعد تعذر الوصول إلى تسوية بين الأطراف، رغم تحسن نسب النجاح في التسويات الأسرية، والتي بلغت 38% في 2023 و41% في 2024 و43% حتى نوفمبر 2025.
وتعكس هذه المؤشرات أهمية الدور الذي تؤديه مكاتب التوفيق والإصلاح الأسري في احتواء الخلافات قبل الوصول إلى الطلاق، خصوصاً مع تزايد الدعوات إلى تعزيز التوعية الأسرية وتطوير برامج الدعم النفسي والاجتماعي للمقبلين على الزواج والأسر التي تواجه خلافات متصاعدة.
ويرى مختصون أن التعامل مع هذه الظاهرة يتطلب تكاملاً بين الجوانب القانونية والاجتماعية والتربوية، من خلال تعزيز التثقيف الأسري، وتوسيع برامج الإرشاد والتأهيل قبل الزواج، إلى جانب دعم مبادرات الإصلاح الأسري التي تسهم في الحد من تفكك الأسرة والحفاظ على الاستقرار المجتمعي.