• - الأسر تمرّ بمراحل طبيعية من الحزن والإنكار والارتباك عند اكتشاف الإعاقة
  • - التعبير عن الألم خطوة أساسية للوصول إلى التقبّل والتكيّف
  • - الإعاقات ترتبط بأسباب علمية ولا تعني وجود ذنب أو عقاب
  • - التركيز على الدعم والتأهيل يفتح باب التقدّم والإنجاز
  • - التواصل والتثقيف والمختصون عناصر أساسية للتعافي النفسي
  • - القيم الدينية تمنح الأسرة طمأنينة وقوة للاستمرار
  • - الأطفال ذوو الاحتياجات الخاصة مصدر إلهام ودروس إنسانية

قال الخبير والاستشاري في التربية الخاصة ومدير مركز معاً للتربية الخاصة د. أسامة مدبولي إن ملامح الحياة داخل الأسرة قد تتغير في لحظة واحدة، إذ إن خبر تشخيص طفل بمتلازمة داون، أو اضطراب طيف التوحد، أو أي من الإعاقات الأخرى، لا يمر مروراً عادياً، بل يترك أثراً عميقاً في النفس، ويطرح سؤالاً يكاد يكون مشتركاً بين جميع الأسر: «لماذا أنا؟»، معتبراً أن هذا السؤال لا يعكس ضعفاً أو اعتراضاً على قدر الله، بل هو انعكاس طبيعي لصدمة مفاجئة، ومحاولة إنسانية لفهم واقع جديد لم يكن ضمن التوقعات، مما يستدعي قراءة هذه اللحظة بعمق، وتقديم رؤية متوازنة تساعد الأسر على الانتقال من الصدمة إلى الفهم، ومن الحيرة إلى الفعل، ومن الألم إلى الأمل.

وأضاف د. مدبولي، في تصريحات لـ«الوطن»، أنه منذ اللحظات الأولى للحمل، يبدأ الأبوان في رسم ملامح مستقبل طفلهما، أحلام كثيرة تتشكل، وتفاصيل صغيرة تُبنى عليها توقعات كبيرة، لكن عند ظهور التشخيص، تتغير هذه الصورة فجأة، وكأن الواقع يفرض مساراً جديداً لم يكن في الحسبان، وهنا تبدأ مرحلة نفسية حساسة، تتداخل فيها مشاعر الحزن، والقلق، والارتباك، وربما الإنكار أحياناً. وهي مرحلة طبيعية تماماً، بل ضرورية. فالتعامل مع الحقيقة يحتاج وقتاً، ولا يمكن فرض التقبّل بالقوة أو التعجّل فيه.

وأوضح أن شعور بعض الأسر بالذنب لمجرد أنها حزنت أو تساءلت يُعد من الأخطاء الشائعة، حيث إن هذه المشاعر في الحقيقة هي إنسانية بامتياز، فالحزن ليس ضعفاً، والتساؤل ليس اعتراضاً، بل هو جزء من عملية التكيف النفسي، مشيراً إلى أن منح النفس مساحة للتعبير عن الألم، سواء بالبكاء أو الحديث أو حتى الصمت، هو خطوة أساسية نحو التعافي، فالإنكار المؤقت، أو التساؤل، أو حتى الغضب، كلها مراحل يمر بها الإنسان قبل أن يصل إلى القبول.

بين التفسير الخاطئ والفهم العميق

وبيّن د. مدبولي، أن بعض الأُسر تميل أحياناً إلى تفسير الإعاقة على أنها عقاب أو نتيجة خطأ ما، وهذا التفسير، رغم شيوعه، يزيد من معاناة الأسرة ولا يقدّم لها حلاً، الواقع أن كثيراً من الحالات لها أسباب علمية واضحة، وهي:

• متلازمة داون تحدث نتيجة تغيّر في عدد الكروموسومات.• اضطراب طيف التوحد يرتبط بطريقة عمل الدماغ وتطوره.

وأكد أن هذه الحالات لا تعني وجود خطأ أو ذنب من الوالدين، بل هي جزء من التنوع الإنساني، فهم هذه الحقيقة يساعد في تخفيف الشعور بالذنب، ويفتح الباب للتعامل الواقعي مع الحالة.

التحول الحقيقي:

من «لماذا» إلى «كيف»؟

وذكر أن السؤال «لماذا أنا؟» يستهلك طاقة كبيرة دون أن يقدّم إجابة شافية، بينما السؤال «كيف أساعد طفلي؟» يفتح باب العمل والتقدّم، هذا التحول في التفكير هو نقطة البداية الحقيقية للتغيير، فعندما تبدأ الأسرة في البحث عن طرق الدعم، والتأهيل، والتدخل المبكر، تتحول من حالة التلقي السلبي إلى الفعل الإيجابي، وهنا تظهر إنجازات قد تبدو بسيطة للآخرين، لكنها عظيمة في ميزان الأسرة: أول كلمة ينطقها الطفل، وأول تواصل بصري، وأول استجابة لتعليمات بسيطة، كلها لحظات تصنع الفارق، وتُعيد بناء الأمل يوماً بعد يوم، ومع مرور الوقت، تكتشف كثير من الأسر أن هذه التجربة، رغم صعوبتها، كانت سبباً في تغييرها للأفضل، فالطفل ذو الاحتياجات الخاصة لا يحتاج فقط إلى رعاية، بل يمنح أسرته دروساً عميقة في الصبر، والرحمة، والتقبّل، تتعلم الأسرة كيف تفرح بالتفاصيل الصغيرة، وكيف تعيد ترتيب أولوياتها، وكيف تصبح أكثر قوة في مواجهة التحديات، وفي كثير من الأحيان، يتحول هذا الطفل إلى مصدر إلهام حقيقي، ليس فقط لأسرته، بل لكل من حوله.

وأكد أن العزلة تُعد من أخطر ما قد تواجهه الأسرة بعد التشخيص، فالخوف من نظرة المجتمع، أو الشعور بعدم الفهم، قد يدفعان البعض إلى الانسحاب، لكن التجربة تثبت أن التواصل مع الآخرين هو جزء أساسي من التعافي، والانضمام إلى مجموعات دعم، أو التعرّف على أسر تمر بنفس التجربة، يخفف كثيراً من الشعور بالوحدة، فعندما تسمع الأسرة قصصاً مشابهة، وتشارك تجربتها، تدرك أنها ليست وحدها، وأن الطريق الذي تسير فيه قد سار فيه غيرها من قبل ونجح.

وأشار إلى أن المعرفة ليست رفاهية في هذه المرحلة، بل ضرورة، كلما فهمت الأسرة طبيعة الحالة بشكل أفضل، استطاعت التعامل معها بثقة أكبر، والتثقيف حول أساليب التربية، والتدخلات العلاجية، وطرق التواصل، يساعد في تقليل القلق، ويحول الغموض إلى خطوات واضحة، كما أن الاستعانة بالمختصين تساهم في وضع خطة عملية تناسب احتياجات الطفل.

وقال إن الإيمان بالله وبالقدر، حلوه ومره، يشكّل في المجتمعات العربية والإسلامية مصدراً مهماً للطمأنينة، ففكرة أن الحياة دار اختبار، وأن لكل إنسان نصيبه من الابتلاء، تساعد في تقبّل الواقع بشكل أعمق، وهذا لا يعني الاستسلام، بل يمنح الإنسان قوة داخلية تدفعه للاستمرار والعمل، مع شعور بالرضا والسكينة، وكثير من الأسر تجد في هذا الجانب دعماً نفسياً كبيراً يساعدها على مواجهة التحديات.

وشدّد على أن التعامل مع هذه المرحلة بشكل أكثر توازناً يتطلب اتباع بعض الخطوات البسيطة، كالتركيز على تقدّم الطفل مهما كان بسيطاً، وطلب الدعم من مختصين أو أسر لديها خبرة، والاستمرار في التعلم والاطلاع، والحفاظ على التوازن النفسي للأسرة، وتجنب المقارنات مع الآخرين كلها أمور مهمة للنجاح.

وأضاف: «في النهاية، تبقى الحقيقة الأهم أن هذه الرحلة، رغم صعوبتها، ليست نهاية الطريق، قد تبدأ بالحيرة، وربما بالألم، لكنها مع الوقت تتحول إلى تجربة مليئة بالدروس والمعاني، فالأطفال ذوو الاحتياجات الخاصة ليسوا عبئاً كما يُتصور في البداية، بل هم جزء من نسيج المجتمع، يحملون في اختلافهم قيمة إنسانية كبيرة، ومع الدعم الصحيح، يمكنهم تحقيق تقدّم حقيقي، ويمكن لأسرهم أن تعيش حياة مليئة بالإنجازات الصغيرة التي تصنع سعادة كبيرة».

ووجّه د.مدبولي رسالة إلى كل أب وأم يمرّان بهذه التجربة، هي: «أنتم أقوى مما تظنون، وما تشعرون به اليوم لن يبقى كما هو، مع الوقت، ستتغير نظرتكم، وستكتشفون أن في هذه الرحلة نوراً لا يُرى من البداية.. لكنه يظهر لمن يصبر ويكمل الطريق».