وليد صبري وأنس الأغبش
قال الرئيس التنفيذي لشركة طيران الخليج مارتن غاوس إنه "يطمح إلى إعادة طيران الخليج إلى موقعها التاريخي بالنسبة لمملكة البحرين"، مشدداً على أن ذلك لا يمثل انتقاداً لأي إدارة سابقة، بل يأتي في إطار رؤية مستقبلية تستند إلى خطة استراتيجية شاملة لتعزيز الهوية البحرينية الأصيلة التي تميز الناقلة الوطنية عن غيرها، في ظل ما وصفه بتراجع وضوح الارتباط بين اسم طيران الخليج والبحرين مقارنة بما كان عليه في السابق، مؤكداً السعي إلى إعادة ترسيخ هذه العلاقة عالمياً وجعل كل رحلة وكل طائرة منصة تعكس هوية المملكة وثقافتها وتاريخها، قبل أن يكشف أن ما حققته الشركة خلال تداعيات الاعتداءات الإيرانية تجاوز حتى توقعاتها.
وأضاف الرئيس التنفيذي لشركة طيران الخليج في حوار لـ"الوطن"، أن طيران الخليج نفّذت نقلة تشغيلية استثنائية بإخراج جميع طائراتها من البحرين في ليلة واحدة، حيث أقلعت 11 طائرة بعد فتح المجال الجوي لمدة ساعة فقط، قبل أن تؤسس عملياتها في المملكة العربية السعودية خلال 6 أيام فقط وتتحول إلى شركة طيران مكتملة الخدمات تعمل من الدمام، لافتاً إلى أن الدعم والتنسيق بين البحرين والسعودية كانا حاسمين في نجاح أكبر عملية انتقال تشغيلي في تاريخ الشركة، وأن الموافقات الاستثنائية التي تم الحصول عليها مكّنت الناقلة من مواصلة عملياتها دون توقف، لتصبح -بحسب قوله- شركة الطيران الوحيدة في العالم التي نجحت في تنفيذ انتقال تشغيلي كامل إلى دولة أخرى.
وأشار غاوس، إلى أن الأزمة كشفت عن إمكانات استثنائية داخل البحرين وطيران الخليج لم تكن مستثمرة بالشكل الكافي، وأن 76 عاماً من الخبرة التراكمية أثبتت قدرة الشركة على مواجهة الأزمات الكبرى، مؤكداً امتلاك الناقلة اليوم ثقة أكبر في التعامل مع أي إغلاقات مستقبلية للمجال الجوي، في ظل مراجعة وتحديث مستمرين لخطط الطوارئ لضمان أعلى مستويات الجاهزية.
وأوضح أن ارتفاع أسعار الوقود شكّل أحد أكبر التحديات التشغيلية، بعدما قفزت تكلفته بنحو 170% خلال ذروة الأزمة، فيما لاتزال الأسعار أعلى بنحو 80% مقارنة بما قبل الحرب، ما أدى إلى ارتفاع حصة الوقود من إجمالي التكاليف التشغيلية من 25% إلى 35%، رغم أن أسعار التذاكر لم ترتفع بالمستوى ذاته.
وأكد أن الشركة تدرس بشكل مستمر نحو 250 وجهة محتملة حول العالم، معتمدة على دراسات جدوى دقيقة لاختيار الوجهات الأكثر ملاءمة للتوسع، مع التركيز على آسيا وأفريقيا وأسواق عالمية متعددة دون استبعاد أي منطقة، مشيراً إلى أن طيران الخليج لعبت دوراً محورياً في الحفاظ على تدفق الشحنات والإمدادات إلى البحرين خلال الأزمة، وأن غياب هذا الدور كان سيترك انعكاسات كبيرة على الاقتصاد الوطني.
وفي مجال التحول الرقمي، قال إن طيران الخليج تُعدّ واحدة من 14 شركة فقط من أصل نحو 700 شركة طيران عالمياً توفّر خدمة Starlink على متن رحلاتها، مع خطط لتوسيع الخدمة قبل نهاية العام وتعميمها على كامل الأسطول خلال عامين، كاشفاً عن تطوير نظام "فالكون آي" بأيدي فرق الشركة وبالاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي، لمتابعة الرحلات والعمليات التشغيلية لحظياً، مؤكداً أنه لا تتوافر لديهم معلومات عن وجود نظام مماثل لدى شركات طيران أخرى.
وفيما يتعلق بالموارد البشرية، أوضح أن عدد موظفي طيران الخليج يبلغ حالياً نحو 3600 موظف، مع توقعات بتضاعف حجم القوى العاملة خلال العقد المقبل، على أن يشكل البحرينيون النسبة الأكبر منها، في ظل تزايد ملحوظ في إقبال الكفاءات الوطنية على الانضمام إلى الشركة، مع طموح بأن تصبح طيران الخليج الخيار الأول للعمل في البحرين. وأكد أن الناقلة، باعتبارها الأقدم في المنطقة بتاريخ يمتد لأكثر من 7 عقود، تمثل أكثر من مجرد شركة نقل جوي، بل رافعة اقتصادية ووطنية لمملكة البحرين، وأن إعادة إحياء علامتها التجارية وتعزيز حضور البحرين عالمياً عبرها يشكّلان جزءاً أساسياً من رسالتها الوطنية. وإلى نص الحوار:
ما هي الخطط الاستراتيجية للشركة خلال العام المقبل 2027؟
- أطمح إلى إعادة طيران الخليج إلى موقعها التاريخي الذي تمثّله لمملكة البحرين. وأؤكد هنا أنني لا أنتقد أي إدارة سابقة أو أي شخص بعينه، وإنما كتقييم لما أراه اليوم.
أعتقد أن الارتباط بين اسم طيران الخليج واسم البحرين لم يعد بنفس الوضوح الذي كان عليه سابقاً. وفي المقابل، تمتلك الناقلة ميزة جوهرية تميّزها عن غيرها، وهي الهوية البحرينية الأصيلة التي تعكس روح المملكة. نريد أن نعزز هذا الجانب أكثر سواء في عام 2027 أو ما يليه من أعوام، عبر خطة استراتيجية شاملة تغطي مختلف جوانب أعمال الشركة.
استطاعت الناقلة الوطنية أن تتجاوز وتتغلب على تداعيات الاعتداءات الإيرانية الآثمة بنجاح كبير وكفاءة عالية.. هل لنا أن نتطرّق إلى هذا الأمر؟
- لم نكن نتصور عندما بدأت الأزمة أننا سنصل إلى هذا القدر من التميّز في الأداء، ولا أن تُختبر كفاءتنا على هذا النحو. في تلك اللحظة اتخذنا قراراً سريعاً وأجرينا نقلة تشغيلية استثنائية؛ إذ تم إخراج جميع طائراتنا من مملكة البحرين في ليلة واحدة حين أقلعت إحدى عشرة طائرة في ساعة واحدة بعد أن فُتح لنا المجال الجوي لمدة ساعة فقط.
بعد ذلك انتقلنا إلى المملكة العربية السعودية، التي تتمتع باستقلال تشريعي وتنظيمي بموجب قانون الطيران. ورغم التحدي وضيـق الوقت، تم تأسيس عملياتنا هناك خلال 6 أيام فقط، حتى أصبحنا شركة طيران مكتملة الخدمات تعمل من الدمام: من إجراءات تسجيل المسافرين، إلى الخدمات الأرضية والتموين، والفرق الفنية والميكانيكية، وصولاً إلى الطواقم، وفنادق الطواقم، وصالات الانتظار، وخدمات التأشيرة، والتنقل، وباقي منظومة التشغيل.
ولعل الأهم في كل ذلك هو الدعم والتنسيق. فقد كان للتعاون بين المملكة العربية السعودية الشقيقة وقيادتها وقيادة مملكة البحرين الحكيمة دور كبير في إنجاح هذا الانتقال، حيث احتجنا إلى موافقات من هيئة الطيران المدني السعودية وهيئة الطيران المدني البحرينية. في الظروف الاعتيادية كانت تلك الإجراءات لتستغرق زمناً أطول بكثير، لكننا حصلنا عليها بسرعة استثنائية بفضل هذا التعاون والتجاوب؛ ما يجعلنا شركة الطيران الوحيدة في العالم التي نجحت في إنجاز مثل هذا الانتقال إلى دولة أخرى.
ما مدى جاهزية الشركة للتعامل مع أي إغلاقات مفاجئة مستقبلية للمجال الجوي؟ وهل لديكم خطط طوارئ بديلة؟
- أحد أبرز الدروس التي خرجنا بها من الأزمة هو اكتشافنا بشكل عملي وواضح لمدى الإمكانات الاستثنائية المتوفرة في مملكة البحرين وداخل طيران الخليج أيضاً، وهي قدرات ربما لم توظّف بهذا الشكل من قبل.
نمتلك نحو 76 عاماً من الخبرة التراكمية داخل الشركة، وهذه ليست مجرد أرقام، بل منهج عمل ومعرفة مؤسسية. وخلال الأزمة تحديداً، ظهرت جوانب من المهارات والقدرات كانت موجودة، لكنها لم تكن تُستخدم أو تُستَثمر بالشكل الذي شهدناه وقتها.
ما لفتنا أكثر هو مستوى السرعة والدقة في تنفيذ العمليات؛ إذ تجلى أن طيران الخليج تمتلك كفاءة عالية وتجربة راسخة لمواجهة كافة المستجدات. ونتيجة لذلك، نحن نُدرك تماماً أننا نستطيع التعاطي بثقة مع أي تحديات مستقبلية -لا قدّر الله- بفضل خطط الطوارئ القائمة لدينا، والتي نراجعها ونحدثها باستمرار لضمان الاستجابة المثلى في كل مرة وبالطريقة المطلوبة.
كيف أثّرت تقلبات أسعار الوقود وسلاسل الإمداد العالمية على تكاليف التشغيل لديكم خلال الفترة الأخيرة؟
- تُعدّ أسعار الوقود من أبرز العوامل التي تشكل تحدياً مباشراً لنا في هذه المرحلة. ففي ذروة الأزمة، شهدنا ارتفاعاً قياسياً في تكلفة الوقود وصل إلى حوالي 170%. ورغم تحسّن الوضع مقارنة بالذروة، مازالت الأسعار حالياً أعلى بنحو 80% مقارنة بما كانت عليه قبل اندلاع الحرب، ما يعني عملياً أن تكلفة الوقود قد تضاعفت.
ومن الزاوية المالية، تغيّر "وزن" الوقود في هيكل التكلفة التشغيلية بشكل واضح. ففي السابق كان الوقود يستحوذ على ما بين 24 و25% من إجمالي التكاليف التشغيلية، بينما اليوم ارتفعت هذه الحصة إلى حدود 35%. وبذلك، فإن الزيادة في أسعار الوقود انعكست مباشرة على كلفة تشغيل الرحلات، في الوقت الذي لم تشهد فيه أسعار التذاكر ارتفاعاً متناسباً بالقدر نفسه الذي شهدناه في الوقود.
ما هي خططكم التوسعية خلال الفترة المقبلة من حيث الوجهات الجديدة أو إعادة فتح خطوط كانت متوقفة؟ وما هي الوجهات الاستراتيجية المستهدفة في السنوات الـ3 المقبلة؟
- لدينا في أي وقت نحو 250 وجهة محتملة قيد الدراسة. ثم ننتقل إلى مرحلة التدقيق عبر دراسات الجدوى، مع أخذ عدة عوامل في الاعتبار مثل نوعية الطائرات المتاحة والقدرة التشغيلية، إضافة إلى التوقعات المالية والعوائد من كل وجهة، وبناءً على نتائج هذه المراجعات، نُقلّص القائمة إلى الوجهات الأكثر ملاءمة لنا.
أما بخصوص الحديث عن وجهات جديدة تحديداً، فلا أستطيع ذكرها الآن؛ لأن الاستراتيجية الخاصة بالتوسّع لم تُعتمد بالكامل بعد. ومع ذلك، نواصل التركيز على الفرص في آسيا وأفريقيا إضافة إلى أسواق عالمية متعددة، ولا نستثني من ذلك أي منطقة في العالم.
كيف تتعاملون مع تقلبات الطلب العالمي والتأثيرات الاقتصادية؟
- إذا استندنا إلى صورة أسعار الوقود في الوقت الراهن، فمن الصعب -من وجهة نظري- توقّع تحقيق مكاسب مالية قوية في هذه المرحلة تحديدًا. لكن الحديث عن طيران الخليج لا ينبغي أن يُختزل فقط في حسابات الربح والخسارة بالشكل التقليدي. خلال الأزمة، اتضح بجلاء الحجم الحقيقي للدور الاقتصادي الذي تضطلع به الشركة تجاه مملكة البحرين. فقد لعبت طيران الخليج دوراً محورياً في الحفاظ على تدفق الشحنات والإمدادات الضرورية للمملكة، وغياب هذه المساندة كان سيؤدي إلى انعكاسات مختلفة تماماً على مسار الاقتصاد الوطني.
ما أبرز مشاريع التحول الرقمي في المجموعة (تطبيق الهاتف، الحجوزات، الخدمات على متن الطائرة)؟ كيف تستفيدون من الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات في تحسين العمليات والتسويق؟
- نحن حالياً من ضمن مجموعة محدودة جداً من شركات الطيران لا يتجاوز عددها 14 شركة من أصل نحو 700 حول العالم التي تُقدّم خدمة Starlink على متن رحلاتها. ونعمل بخطوات متسارعة على توسيع نطاق هذه الخدمة لتشمل شريحة أكبر من المسافرين قبل نهاية العام، على أن يتم تعميمها على كامل أسطولنا خلال العامين المقبلين، وهو ما يمنحنا أفضلية تنافسية واضحة.
من جانب آخر، طوّرنا داخل الشركة نظاماً تقنياً متقدماً يحمل اسم «فالكون آي»، ويُعد من الابتكارات النوعية على مستوى القطاع. يُتيح لنا هذا النظام متابعة عمليات الرحلات بشكل لحظي، بدءاً من الإقلاع وحتى الوصول، مع إمكانية الاطلاع على تفاصيل دقيقة مثل عدد المسافرين، ونِسب الإشغال، وتوزيع الركاب بين الدرجات المختلفة. كما يوفر معلومات شاملة عن طاقم الرحلة، بما في ذلك مؤهلاتهم واللغات التي يتقنونها، وجميع البيانات المرتبطة بهم، ويتم تحديث هذه المعلومات بشكل مباشر أثناء وجود الطائرة في الجو.
حتى الآن، لا تتوافر لدينا معلومات تشير إلى وجود نظام مشابه لدى أي من شركات الطيران الأخرى يقدم هذا المستوى من التكامل والقدرات. وقد جرى تطوير «فالكون آي» بالكامل بأيدي فرق طيران الخليج، مع الاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي، وهو مطبق حالياً داخل الشركة ولايزال يشهد مزيداً من التطوير.
ما استراتيجيتكم في توطين الوظائف ورفع نسبة البحرنة في الناقلة الوطنية وتطوير الكفاءات البحرينية في قطاع الطيران؟
- فيما يتعلق بجذب الكفاءات البحرينية، لاحظنا تزايداً مطّرداً في عدد المهتمين بالتواصل مع إدارة الموارد البشرية بحثاً عن فرص للانضمام إلى طيران الخليج. ويبلغ عدد الموظفين حالياً نحو 3600 موظف، ومع التوقعات بنمو الشركة خلال العقد المقبل، فمن المرجح أن يتضاعف حجم القوى العاملة، على أن يشكل البحرينيون النسبة الأكبر منها.
ويكمن الطموح في ترسيخ مكانة طيران الخليج كخيار أول للعمل في البحرين، سواء من حيث السمعة المؤسسية أو جاذبية بيئة العمل، بحيث يصبح الانضمام إليها هدفاً مهنياً يطمح إليه الكثير من البحرينيين. وعند الوصول إلى هذه المرحلة، ستكون الشركة قد نجحت في بناء شركة رائدة توفر فرص تطوير ومسارات وظيفية حقيقية لأبناء الوطن.
طيران الخليج صرح وطني يساهم على نحو مباشر في دعم النمو الاقتصادي.. هل لنا أن نتطرّق إلى هذا الأمر؟
- تُعدّ طيران الخليج اليوم شركة تحمل إرثاً طويلاً، ويتمثل الهدف في إبراز هذه القيمة وإعادة إحياء حضورها القوي على مستوى العلامة التجارية. فرغم أنها من العلامات البارزة في قطاع الطيران، إلا أن الاستفادة من إمكاناتها لم تكن بالشكل الأمثل خلال السنوات الماضية. قبل عدة عقود، كان الربط بين طيران الخليج ومملكة البحرين واضحاً ومترسخاً لدى الجميع، إلا أن هذا الإدراك تراجع لدى الأجيال الأحدث، لا سيما في الأسواق الأوروبية. ومن هنا تأتي الجهود المستمرة لإعادة تأكيد هذه العلاقة وترسيخها عالمياً، لما لذلك من انعكاسات إيجابية على الاقتصاد الوطني.
طموح طيران الخليج يتجاوز نقل المسافرين ليصل إلى تحويل كل رحلة إلى منصة تعكس صورة البحرين. فكل طائرة تصل إلى وجهة دولية ينبغي أن تعبّر عن هوية المملكة وثقافتها وتاريخها. وتستند هذه الرؤية إلى عناصر قوة متعددة، من بينها الكوادر الوطنية، والأنظمة والتقنيات المطوّرة محلياً، إلى جانب تاريخ الشركة العريق الممتد لأكثر من سبعة عقود باعتبارها الأقدم في المنطقة. هذه المقومات تمثل قصة متكاملة تستحق أن تصل إلى العالم أجمع.