كان للنقد يوماً ما مكانة لا تقل أهمية عن الإبداع نفسه، فلم يكن «الكاتب» ينظر إلى «الناقد» باعتباره خصماً أو متربصاً، بل شريكاً في صناعة المعرفة، وذلك لأن النقد في جوهره «ممارسة فكرية راقية» هدفها تحسين العمل وتطويره، ولذلك ازدهرت حركة التأليف في مختلف المجالات بوجود نقاد امتلكوا المعرفة والموضوعية، فكانوا يقرؤون بعين الباحث لا بعين القاضي، وكانت ملاحظاتهم تمثل تغذية راجعة حقيقية تساعد المؤلف على مراجعة أفكاره وصقلها وإخراجها بصورة أكثر نضجاً، حتى أصبح النقد جزءاً من (دورة إنتاج المعرفة).
أما اليوم، وفي عصر المحتوى الرقمي الذي أصبح يشكل المصدر الأول للمعلومة لدى شريحة واسعة من الناس، فقد اختفت هذه الثقافة إلى حد كبير، فأصبح كل من يملك هاتفاً قادراً على إنتاج محتوى يصل إلى مئات الآلاف وربما الملايين، بينما لا يوجد بالمقابل من يؤدي الدور الذي كان يقوم به النقاد قديماً، وغابت القراءة المتأنية والتحليل الموضوعي، فأصبح كثير من صناع المحتوى لا يتلقون إلا التصفيق أو الإساءة، وكلاهما لا يسهم في التطوير. والمفارقة أن المحتوى الرقمي اليوم أكثر تأثيراً من كثير من الكتب والمحاضرات، فهو يصنع الرأي العام، ويؤثر في الثقافة والسلوك، وينقل المعرفة، ومع ذلك لا يخضع لمنظومة نقدية حقيقية تراجع جودة الطرح، أو دقة المعلومات، أو قوة الاستدلال، أو حتى أخلاقيات النشر، إن ما نحتاجه ليس أشخاصاً يتصيدون الأخطاء أو يسعون إلى إحراج الآخرين، ولسنا بحاجة إلى مزيد من المصفقين الذين يرون كل ما ينشر كاملاً لا يقبل المراجعة، بل نحتاج إلى عودة «الناقد المهني» الذي يناقش الفكرة قبل صاحبها، ويقيس جودة المحتوى بمعايير علمية ومهنية، ويقدم ملاحظاته بروح الإصلاح لا بروح الإحباط، فالمجتمعات التي تتطور ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، وإنما تلك التي تمتلك ثقافة النقد البنّاء التي تجعل الجميع أكثر استعداداً للتعلم والتحسين والتطوير.
وربما آن الأوان لأن نتساءل: إذا كانت «الكتب» قد وجدت من يقرؤها بعين الناقد فأسهم في تطورها عبر العقود، فمن الذي سيقوم اليوم بالدور نفسه مع «المحتوى الرقمي» الذي أصبح يشكل وعي الأجيال ويؤثر في طريقة تفكيرها؟